لم تعد التهديدات الإيرانية لدول مجلس التعاون الخليجي مجرد رسائل سياسية، بعدما تحولت في مراحل عدة إلى استهدافات طالت مواقع ومنشآت داخل هذه الدول. وبينما تتكرر الضربات والتهديدات، برزت الكويت كإحدى أبرز محطات هذا التصعيد، مع تعرضها لاستهدافات طالت منشآت حيوية، في ظل توتر متراكم مع طهران، كان من أبرز محطاته توقيف السلطات الكويتية، في وقت سابق، خمسة ضباط قالت إنهم مرتبطون بالحرس الثوري الإيراني.
الكويت، التي لطالما حاولت إبقاء نفسها بعيدة عن هذا الصراع، وجدت نفسها داخل دائرة المواجهة، بعدما اتهمتها إيران بالسماح باستخدام أراضيها لانطلاق ضربات أميركية ضد مواقع إيرانية، وهو ما تنفيه السلطات الكويتية، مشيرة إلى أن الاستهدافات الإيرانية التي طالت أراضيها لم تستهدف قواعد عسكرية، بل منشآت وبنى تحتية، بينها مرافق كهربائية، وآخرها منفذ العبدلي الحدودي مع العراق.
فلماذا تركز إيران على الكويت تحديدًا؟ وما الرسائل التي تحملها هذه الاستهدافات؟
وفي هذا السياق، أكد المستشار القانوني والخبير العسكري الكويتي مفرح الشلاحي أن تركيز إيران في الآونة الأخيرة على دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديدًا الكويت، لا يمكن فصله عن النهج الذي تتبعه منذ قيام الثورة الإيرانية، معتبرًا أن النظام الإيراني لم يدخر جهدًا في إلحاق الضرر بالمنطقة. ورأى أن لهذا التركيز عدة مبررات، أولها القرب الجغرافي للكويت من إيران، إلى جانب أن الكويت تُعد، بحسب تعبيره، من الدول "العصية" على محاولات الاختراق الإيراني.
وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن السلطات الكويتية تمكنت مؤخرًا من إلقاء القبض على عناصر، قال إنها تابعة للحرس الثوري الإيراني، ولها امتدادات في المنطقة وخلايا مرتبطة بالنظام الإيراني وأنشطته الإرهابية، معتبرًا أن تصاعد الضغوط على الكويت يندرج في إطار محاولة ممارسة الضغط عليها، بما في ذلك السعي للإفراج عن هؤلاء العناصر. إلا أن الكويت، بحسب تعبيره، ستواصل موقفها الصامد في مواجهة ما وصفه بالعدوان الإيراني. كما رأى أن الرسائل العسكرية التي تحاول إيران إيصالها من خلال هذا التصعيد تقوم على الترهيب والتخويف وإثارة القلق داخل الشارع الكويتي، إلا أنه اعتبر أن هذه المحاولات لن تحقق أهدافها، مؤكدًا أن المجتمع الكويتي يتمتع بقدر كبير من التماسك والوعي، ولن تنجح هذه الرسائل في زعزعة استقراره أو التأثير في مواقفه.
وفي قراءته للتعامل الكويتي مع التهديدات والضربات، شدد الشلاحي على أن الكويت تعيش حالة من الاطمئنان، مؤكدًا أن القيادة الكويتية استطاعت إدارة المرحلة بأعلى درجات الحكمة، رغم ما تعرضت له البلاد من صواريخ ومسيرات، ومحاولات، بحسب قوله، لخلخلة الأمن الداخلي عبر خلايا مرتبطة بإيران. وتابع أن سمو أمير الكويت، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، نجح في إدارة دفة المرحلة بحكمة وحنكة، ما عزز ثقة المواطنين بقيادتهم وبالسياسة التي تنتهجها الدولة.
وأوضح أن الكويت تمتلك مقومات عديدة تعزز هذا الاطمئنان، من بينها وحدة الصف الوطني، وتماسك المجتمع، والقدرات والإمكانات التي تمتلكها الدولة، إلى جانب التحالفات الثنائية مع الدول الصديقة، ووجود دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة واحدة، الأمر الذي يعزز مكانة الكويت الأمنية والاقتصادية. كما أشار إلى أن الكويت تستند في مواقفها إلى المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة، معتبرًا أن المجتمع الكويتي يدرك أهمية القانون الدولي، ويؤمن بأنه الإطار الذي يحكم العلاقات بين الدول، وأن كل من يعتدي على المنطقة سيتحمل، عاجلًا أم آجلًا، تبعات أفعاله. ووصف السياسات الإيرانية بأنها تمثل سوء تقدير، معتبرًا أنها وضعت الشعب الإيراني والمنطقة على حافة الهاوية، وستقود إلى خسائر وعقوبات سيتحملها النظام الإيراني نتيجة ما وصفه بانتهاكاته للقانون الدولي.
وحول المرحلة المقبلة، توقع الشلاحي أن يرتبط مسار الأحداث بعدة عوامل، أبرزها ما إذا كان النظام الإيراني سينخرط في المنظومة الدولية، وهو احتمال استبعده في ظل الظروف الحالية، أو أنه سيواصل التصعيد والاعتداء على دول لا علاقة لها بالنزاع القائم. وتابع أن إيران، بحسب رأيه، وسعت رقعة المواجهة، بدءًا من مضيق هرمز، مرورًا بدول الخليج والأردن، وصولًا إلى مضيق باب المندب عبر الحوثيين، لافتًا إلى أن مضيق باب المندب يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية، فيما يشكل مضيق هرمز شريانًا رئيسيًا للتجارة والطاقة العالميتين، ما يعني أن إيران، من خلال أذرعها ووكلائها في المنطقة، باتت تهدد جزءًا كبيرًا من حركة الاقتصاد العالمي.
ورأى أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تصعيد أكبر، متوقعًا أن يشهد الداخل الإيراني تغييرات قد تدفع باتجاه تغيير الوضع القائم، وربما تفتح الباب أمام مطالب بعض الأقاليم بالاستقلال، في ظل ما وصفه بعدم إدراك النظام الإيراني لطبيعة المنظومة الدولية وآليات تعاملها مع الأزمات. ورجح أن تشهد المنطقة، خلال الفترة المقبلة، تغييرات جذرية ستكون انعكاساتها، وفق تقديره، في مصلحة شعوب المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي.
في الخلاصة، لا يبدو ما تشهده الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي منفصلًا عن النهج الذي اعتمدته إيران خلال السنوات الماضية، والقائم على نقل المواجهة إلى ساحات متعددة واستخدام الضغط أداةً لتحقيق أهدافها. ومع ازدياد الضغوط عليها، تحاول طهران فتح جبهات جديدة وتوسيع دائرة الاشتباك، في محاولة لتعزيز أوراقها التفاوضية.