July 21, 2026   Beirut  °C
سياسة

ناجي أمهز: تركيا تبني دورها انطلاقا من بيروت.. والإيراني مهدي عقبائي: الهجمات الإيرانية لابتزاز واشنطن والغرب

على وقع تصعيد متسارع، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تتجاوز حدود المواجهات العسكرية، لتدخل في صراع أوسع على النفوذ والتحالفات ومستقبل الشرق الأوسط. فالمواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد محصورة في ساحات الاشتباك، بل امتدت إلى عواصم عربية ومنشآت حيوية، واضعة دول المنطقة أمام حسابات دقيقة بين حماية أمنها وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وبين رسائل النار وحسابات السياسة، يبقى السؤال: هل نحن أمام تصعيد عابر، أم أمام إعادة رسم لموازين القوى في المنطقة؟

ناجي علي أمهز: العرب أمام معادلة النار والنفوذ

وفي هذا السياق، قال الكاتب السياسي ناجي علي أمهز إن الحرب الكبرى والعنيفة المشتعلة منذ عام، وإن كانت تمر بفترات متقطعة من التصعيد والتهدئة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، هي حرب ترسم خطوطا جيوسياسية جديدة في المنطقة، مؤكدا أنه مهما كانت النتائج، فلن يبقى المشرق العربي كما كان قبل العام 2025.


وكشف عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هناك دولا بدأت ترسم استراتيجياتها الجديدة، مثل تركيا، إضافة إلى تدخل باكستاني واضح يسعى إلى تحقيق مكاسب بعد مشاركتها الماراثونية في الاتفاقية الأميركية التي كانت شاقة للغاية، مشيرا إلى أن باكستان أدركت أن مركز ارتكاز الدور العالمي يمر عبر العالم العربي، وأن من يكون حاضرا على هذه الطاولة يكون حاضرا عالميا؛ لذلك تسعى بجدية إلى تكريس شراكتها مع الدول العربية وتركيا ضمن معادلة جديدة عسكرية واقتصادية، وهو ما ظهر من خلال إلحاحها على توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية.


ولفت أمهز إلى أن الجانب التركي لم يخف هواجسه، التي أعلن عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالقول إن "أمن تركيا يبدأ من بيروت"، معتبرا أن هذه الرسالة تعكس بوضوح الدور التركي الجديد، الذي سينطلق من بيروت ولن يتوقف عند قطر، بل سيمتد ليشمل دول مجلس التعاون الخليجي عبر أكثر من اتفاقية وصيغة تعاون.


وأوضح أن أمام هذا الواقع الجيوسياسي الخطير، الذي يمثل حقيقة "فالق زلزالي" قد يغير ويدمر الكثير مما بني خلال القرن المنصرم، فإن الدول العربية التي تتعرض للقصف من قبل إيران، والتي تعلن طهران أنها تستهدف من خلالها القواعد الأميركية في هذه الدول، باتت تملك هامشا أوسع للاحتفاظ بحقها في الرد، من دون الانخراط في حرب مباشرة قد تكون مدمرة، نظرا إلى طبيعة دول الخليج القائمة على الاقتصاد والطاقة.


وقال أمهز إن عدم الدخول في مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران يحافظ على وحدة الموقف العربي والإسلامي، ويبقي التصعيد ضمن حدود يمكن احتواؤها، في ظل متغير شرق أوسطي كبير وصلت تداعياته حتى الصين، لافتا إلى أن الصين، كما أوروبا وبريطانيا، اختارت النأي بنفسها عن هذه الحرب وعدم الانخراط عسكريا فيها. واعتبر أن الدول العربية، التي ستكون الأكثر تضررا من تداعياتها، معنية أكثر من غيرها باتخاذ المسار نفسه وتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة.


وبيّن أن الولايات المتحدة وإسرائيل سيكون من دواعي سرورهما انخراط الدول العربية في الحرب، بهدف الإسراع بإنهائها كما تتصوران، وتوسيع الجبهة ضد إيران، ما يخفف التهديد عن إسرائيل والقواعد الأميركية التي ستكون لها حرية أكبر للتحرك واستخدام مخزون هذه الدول من الأسلحة الاستراتيجية، الأمر الذي يعني مكاسب كبرى للولايات المتحدة في الحرب، إلى جانب إعادة إنعاش مصانع الأسلحة، محذرا من أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن دخول دول الخليج في الحرب قد يعرض المناطق الاستراتيجية فيها للقصف المباشر، مما يعني انهيار أسواق النفط العالمية، وصولا إلى تدمير مراكز تحلية المياه والطاقة الكهربائية، الأمر الذي قد يدخل المنطقة في فوضى شاملة لا تعرف عواقبها، خصوصا مع حالة "الجمر تحت الرماد" لدى الشعوب العربية نتيجة الاحتقان تجاه أحداث غزة.


ورأى أمهز أن إيران تقصف القواعد الأميركية وهي تعلم أن العرب لن يدخلوا حربا مباشرة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى توريط العرب، بينما تتجنب الدول العربية سيناريو التورط مع الحفاظ على خطوط حمراء تضمن مكاسبها واستقرار دولها، لأن الجميع يدرك كارثية هذه الحرب على العرب وفوائدها على الولايات المتحدة وإسرائيل.


وعما إذا كان هذا الضغط موجها إلى أميركا كي تتوقف، قال إنه قبل الغوص في الرد على هذا السؤال استراتيجيا، يجب التنويه إلى أن النظام الإيراني ليس من السهل إسقاطه أو تغييره، أقله في المدى المنظور، على الرغم من الهجمة الأميركية الكبرى، لكن قراءة الضغوط على الإدارة الأميركية تشير حتى الآن إلى أنها تدور حول منع سقوط النظام الإيراني، مشيرا إلى أن هناك ضغوطا كبرى على الإدارة الأميركية برئاسة ترامب، وليست هذه الضغوط من الحزب الديمقراطي فحسب، الذي يستثمر في أخطاء ترامب لتحقيق مكاسب انتخابية، بل هناك أيضا ضغوط من الحزب الجمهوري نفسه لتأمين الفوز في الانتخابات النصفية تمهيدا للانتخابات الرئاسية القادمة. ويضاف إلى ذلك ضغوط الاتحاد الأوروبي التي أعلن عنها ترامب صراحة في قمة الناتو في تركيا، إذ يصر الأوروبيون على أن معركتهم ضد روسيا في أوكرانيا هي الأولوية، بل يعتبرون أن ترامب، بهذه الحرب، قدم نقاط انتصار لروسيا بالسماح لها ببيع نفطها إبان أزمة مضيق هرمز، ويرون أنه يحاول توريطهم لإيجاد مخارج لموسكو وصديقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.


واعتبر أمهز أن العالم برمته يرفض الحرب على إيران لأسباب يطول شرحها، لكن ترامب، وفق رؤيته، وجد نفسه أمام مواجهة معقدة ويسعى إلى تسجيل أي مكاسب يمكن تقديمها على أنها نجاح لاستراتيجيته، مشيرا إلى أن الجميع يدرك أن الولايات المتحدة تريد تغيير النظام الإيراني والإتيان بنظام حليف يعيد إيران إلى دور "شرطي المنطقة" كما كانت في عهد الشاه، بما يسمح لواشنطن بإعادة ترتيب تحالفاتها والتخلي عن بعض حلفائها السابقين.


أما بالنسبة لروسيا، فأشار إلى أنها، كما أميركا، تريد استمرار الحرب لرفع أسعار النفط ورفع العقوبات عنها، كما أن استمرار الصراع قد يساهم في إيجاد قواعد سياسية لوقف حرب أوكرانيا وفق شروطها. لكنها، في المقابل، لا تريد سقوط النظام الإيراني، لأن خسارة طهران ستكون، بحسب تقديره، كارثية على موسكو، خصوصا وأن إيران مرشحة لأن تكون من أكبر مصادر الغاز عالميا. لذلك، تمارس روسيا ضغوطا بطرق وأساليب مختلفة على الإدارة الأميركية لإبقاء الحرب مشتعلة، ولكن من دون الوصول إلى إسقاط النظام الإيراني.


وقال أمهز إن الصين أيضا تستفيد من استمرار النظام الإيراني، لكنها عاجزة عن تقديم دعم علني لطهران حتى لا تخسر أسواقها في أوروبا، مشيرا إلى أن ترامب وعدها بالحفاظ على حصتها النفطية مهما كانت المتغيرات في طهران، لذلك تمارس بكين بدورها ضغوطا باتجاهات عدة بهدف تخفيف الضغط عن إيران. ولفت إلى أن أي تحرك أو مواجهة قد تقوم بها الصين في ملف تايوان قد ينظر إليها كورقة ضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب على إيران.


أما إسرائيل، فأوضح أنها تدرك أن قيام نظام إيراني حليف بالكامل للولايات المتحدة سيؤدي إلى إضعاف دورها الإقليمي وجعل تأثيرها هامشيا، لذلك فإن هدفها، وفق رؤيته، يتمثل في إضعاف إيران وليس إسقاط النظام واستبداله بنظام مدلل أميركيا. وقال إن الدول العربية بدورها لا ترغب في العودة إلى مرحلة ما قبل الثورة الإيرانية، كما لا تريد استمرار الصراع المفتوح في المنطقة.


ورأى أمهز أن الضغط قائم في اتجاهات عدة، ويضاف إليه أن إسرائيل تخشى، حقيقة، من الصدام التركي - الإسرائيلي؛ ففي حال خرجت إيران من الصراع، سيدخل الأتراك حتما في مواجهة مع إسرائيل، وخلفهم الأمة الإسلامية والعربية، بينما تخوض إيران حاليا المواجهة عبر حلفاء لا يشكلون متغيرا شعبيا شاملا، لأسباب طائفية وسياسية معقدة.


مهدي عقبائي: النظام الإيراني يصدر أزماته الداخلية

ومن الجانب الإيراني، رأى عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مهدي عقبائي أن النظام الإيراني يسعى بالفعل إلى استدراج الدول العربية إلى أجواء الصراع، معتبرا أن هذه السياسة ليست جديدة، بل اعتمدها منذ تأسيسه، عبر تصدير أزماته إلى الخارج كلما اشتدت الضغوط عليه في الداخل. وقال إن تصاعد الغضب الشعبي، واتساع نشاط وحدات المقاومة، وتفاقم الصراع داخل مؤسسات النظام، يدفع طهران إلى تهديد أمن الدول العربية والخليج والملاحة والمنشآت الحيوية، بهدف خلق أزمة خارجية تغطي مأزقها الداخلي.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن النظام الإيراني لا يسعى، وفق تقديره، إلى خوض حرب تقليدية شاملة لا يستطيع تحمل تبعاتها، بل إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر وفوضى محسوبة، مستخدما الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب الأذرع المسلحة التابعة له، من الحوثيين إلى الفصائل العراقية وحزب الله، بهدف ممارسة الضغوط على الدول العربية والغرب في آن واحد، معتبرا أن طهران تحاول إيصال رسالة مفادها أن سقوط النظام سيؤدي إلى احتراق المنطقة. وشدد على أن استمرار هذا النظام، وليس سقوطه، هو السبب الحقيقي للحروب والأزمات.


وفي ما يتعلق بموقف الدول العربية، أكد عقبائي أنها لا تملك أي مصلحة في الانخراط بحرب مع إيران أو مع الشعب الإيراني، معتبرا أن الشعوب العربية والإيرانية تتضرر من سياسات نظام ولاية الفقيه والحرس الثوري والميليشيات التابعة له. ورأى أن المصلحة العربية تكمن في تبني سياسة حازمة توقف نفوذ الحرس الثوري وأذرعه في المنطقة، وتدعم حق الشعب الإيراني في تغيير النظام.


وأشار إلى أن رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي تطرح منذ سنوات ما تصفه بـ "الخيار الثالث"، القائم على التغيير عبر الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، باعتباره بديلا عن الحرب أو سياسة الاسترضاء، معتبرا أن هذا الخيار، من وجهة نظره، يصب أيضا في مصلحة الدول العربية، لأنه يضع حدا لتدخلات طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج من جذورها، من دون تحويل المنطقة إلى ساحة حرب. كما دعا إلى اعتماد مقاربة سياسية وأمنية ودبلوماسية تقوم على عزل النظام الإيراني، وتجفيف مصادر تمويل الحرس الثوري، وتصنيف ميليشياته، ودعم الشعب الإيراني والاعتراف بحقه في إسقاط النظام.


أما بشأن ما إذا كانت الهجمات الإيرانية تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة، فأكد عقبائي أن جزءا أساسيا من التصعيد يندرج، بحسب رأيه، في إطار ابتزاز واشنطن والغرب، عبر استخدام الساحات العربية كورقة ضغط لدفع الإدارة الأميركية إلى التراجع أو العودة إلى سياسة المساومة وتقديم تنازلات سياسية ومالية، مشيرا إلى أن النظام يعمد إلى رفع مستوى التهديد كلما شعر بأن الضغوط تقترب من الحرس الثوري أو منشآته النووية وشبكاته الإقليمية.


وشدد عقبائي على أن التجارب السابقة أثبتت، بحسب تعبيره، أن أي تنازل يقدم للنظام الإيراني لا يقود إلى الاستقرار، بل يمنحه مزيدا من الوقت لتعزيز قدراته الأمنية والعسكرية ومواصلة سياساته، داعيا إلى تشديد الضغوط عليه من خلال عزل النظام، ووقف تمويل الحرس الثوري، ومحاسبة قادته على ما وصفها بالإرهاب والجرائم ضد الإنسانية. واعتبر أن الحل الحقيقي يكمن في إزالة مصدر الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها.


المشهد لم يعد مجرد تبادل للرسائل العسكرية، بل صراع مفتوح على مستقبل المنطقة وشكل توازناتها المقبلة. وبين تضارب المصالح الدولية والإقليمية، يبقى الخوف الأكبر أن تتحول أي شرارة إلى مواجهة لا يخرج منها أحد منتصرا، فيما يدفع الشرق الأوسط مجددا ثمن صراعات الآخرين.