لا يزال النظام الإيراني يمارس سياسة الضغط والترهيب تجاه المعارضة ووحدات المقاومة الإيرانية، في محاولة للحفاظ على قبضته ومنع أي تحرك قد يتحول إلى تهديد مباشر لسلطته. وفي وقت استطاعت فيه مجموعة من المعارضات والتحركات الشعبية في تجارب مختلفة أن تسقط أنظمة أو تفرض تغييرات سياسية، يبدو أن المشهد في إيران أكثر تعقيدا، في ظل نظام يعتمد منذ عقود على أدوات أمنية واسعة لاحتواء أي حركة معارضة.
ففي ظل الخناق الاقتصادي المتزايد الذي يطاول الشعب الإيراني، إلى جانب الاعتقالات والإعدامات واستمرار التضييق على المعارضين، يبرز التساؤل حول واقع المعارضة اليوم: هل لا تزال تملك القدرة على تحويل الغضب الشعبي المتراكم إلى حراك قادر على إحداث تغيير من الداخل، أم أن قبضة النظام لا تزال تحول دون ذلك؟
في هذا السياق، اعتبر نائب ممثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في المملكة المتحدة حسين عابديني أن المعارضة لم تختف، لكنها لا تتحرك بالطريقة نفسها التي تتحرك بها المعارضات في الأنظمة الديمقراطية أو المفتوحة، مشيرا إلى أن النظام الإيراني يرد على أبسط نشاط سياسي بالاعتقال والتعذيب والإعدام، ويستخدم أجواء الحرب والاختناق الأمني وقطع الإنترنت لمنع أي تحرك علني واسع.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن المعارضة المنظمة داخل إيران لا تعمل بطريقة استعراضية، بل بأسلوب تراكمي ومنظم لأنها تدرك طبيعة النظام الذي تواجهه، موضحا أن هناك نشاطا مستمرا لما وصفه بـ "وحدات المقاومة" داخل المدن والجامعات والأحياء، إلى جانب تحركات سياسية ورمزية ضد مراكز الحرس والباسيج والدعاية الرسمية. وتحدث عن وجود غضب اجتماعي واسع بسبب الفقر والبطالة والفساد والإعدامات، معتبرا أن النظام حاول تحويل الحرب ومراسم تشييع خامنئي إلى استعراض قوة، إلا أن هذه الأحداث كشفت، بحسب رأيه، هشاشته وصراعاته الداخلية.
وشدد عابديني على أن حضور المعارضة لا يقاس فقط بعدد المظاهرات العلنية، بل بقدرتها على البقاء والتنظيم وكسر حاجز الخوف وربط الاحتجاجات المعيشية بالمطالب السياسية، مشيرا إلى أن حضورها وتأثيرها لا يقتصران على الخارج، الذي يوفر الصوت السياسي والإعلامي والدبلوماسي، إذ إن جوهر المعركة، وفقا لرأيه، يبقى داخل البلاد.
وأوضح أن وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية تعمل داخل المدن والجامعات والأحياء، وتدفع، بحسب قوله، ثمنا باهظا من خلال الاعتقالات والتعذيب والإعدامات، لافتا إلى أن النظام لو كان يعتبر المعارضة مجرد نشاط خارجي، لما خصص كل هذه الإمكانيات لمحاربتها، من حملات التشويه والمحاكمات الغيابية إلى الاعتقالات والضغط على عائلات المعارضين، إضافة إلى محاولاته الأمنية والسياسية لمنع صوتها في أوروبا. ورأى أن الحضور الحقيقي في الأنظمة القمعية لا يظهر دائما أمام الكاميرات، بل يقاس بالقدرة على الاستمرار والتنظيم وكسر الخوف وتحويل الاحتجاجات المعيشية إلى مطالب سياسية.
وعن مدى نجاح النظام الإيراني في إضعاف المعارضة ومنعها من التحول إلى قوة قادرة على تحريك الشارع، قال عابديني إن النظام وجه خلال عقود ضربات قاسية للمعارضة، مستخدما الإعدامات والسجون والتعذيب والاغتيالات وحملات التشويه، إضافة إلى ما وصفه بالإرهاب خارج الحدود، معتبرا أنه على الرغم من كل هذه الأفعال لم يستطع القضاء على المقاومة. وأشار إلى أن استمرار استهداف أعضاء وأنصار المعارضة، والضغط على المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، يعكس أن النظام لا يتعامل معها كظاهرة إعلامية، بل كخطر حقيقي.
ورأى أن السلطة نجحت في تعطيل الحياة السياسية الطبيعية داخل إيران، لكنها لم تنجح في القضاء على فكرة التغيير أو تصفية التنظيمات المعارضة، معتبرا أن استمرار القمع بهذا الحجم يعكس خوف النظام من وجود قوة منظمة، وأنه استطاع تأخير لحظة التحول ورفع كلفة التغيير، لكنه لم يتمكن من منعه.
أما عن إمكان اندلاع حراك شعبي جديد في إيران ومستقبل التغيير، فأكد عابديني أن هذا السيناريو ليس مستبعدا، بل أصبح أكثر واقعية، موضحا أن الانتفاضات لا تأتي بموعد مسبق، بل نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وأشار عابديني إلى أن عوامل عدة تدفع نحو احتمال تصاعد الاحتجاجات، من بينها الفقر والتضخم والبطالة، والغضب من الإعدامات، وتراجع سلطة الحكم بعد المرشد الإيراني علي خامنئي، والصراعات داخل أجنحة النظام، إضافة إلى فشل سياساته، مشددا على أن دور المعارضة يتمثل في تحويل الغضب الشعبي من حالة احتجاج متفرقة إلى اتجاه سياسي منظم. وأوضح أن أي تحرك قد يبدأ من أزمة معيشية أو مطلب اجتماعي أو عمالي قبل أن يتحول إلى مطالب سياسية أوسع.
وبيّن أن العوامل الخارجية قد تؤثر، لكنها لا تستطيع صناعة تغيير ديمقراطي بدلا من الشعب الإيراني، مشددا على أن العامل الحاسم يبقى داخليا عبر الشعب الإيراني والمعارضة المنظمة. وقال إن دور المجتمع الدولي يجب ألا يكون منح النظام مزيدا من الوقت عبر سياسات الاسترضاء، بل الاعتراف بحق الشعب الإيراني في المقاومة والتغيير، معتبرا أن الهدف هو الوصول إلى جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية تعيش بسلام مع جيرانها.
في نهاية المطاف، يبقى رهان جزء كبير من المعارضة الإيرانية قائما على تراكم الأزمات داخل النظام ووصول حالة الغضب الشعبي إلى مرحلة يصعب احتواؤها، إلا أن الطريق نحو أي تغيير لا يزال يصطدم بقبضة أمنية شديدة يستخدمها النظام عبر القمع والاعتقالات والإعدامات والتضييق على أي مساحة للتحرك. وبينما يحاول النظام الحفاظ على تماسكه عبر أدوات القوة، تستمر حالة الصراع بين سلطة تسعى إلى إخماد أي صوت معارض ومعارضة تراهن على أن الأزمات المتراكمة ستفتح الباب أمام تحول داخلي.