أعادت الضربات الأميركية المكثفة على إيران، بعد فترة طويلة من الهدنة التي أعقبت محادثات إسلام آباد وبورغنشتوك والتفاهمات التي رافقتها، خلط الأوراق مجددًا في المشهد الإقليمي، وسط مؤشرات إلى انتقال واشنطن نحو مرحلة أكثر تصعيدًا في مواجهتها مع طهران.
أعادت الضربات الأميركية المكثفة على إيران، بعد فترة طويلة من الهدنة التي أعقبت محادثات إسلام آباد وبورغنشتوك والتفاهمات التي رافقتها، خلط الأوراق مجددًا في المشهد الإقليمي، وسط مؤشرات إلى انتقال واشنطن نحو مرحلة أكثر تصعيدًا في مواجهتها مع طهران.
ويبدو أن استئناف العمليات العسكرية يعكس تحولًا في المقاربة الأميركية، بعد النجاح في تحييد عدد من أبرز رموز النظام وقياداته خلال المواجهات السابقة، ما عزز الانطباع بأن الضغط لم يعد يقتصر على إضعاف القدرات العسكرية، بل يمتد إلى استهداف ركائز النظام نفسه وصولًا إلى إسقاطه. كما أن اتساع نطاق الضربات ليشمل أهدافًا أكثر حيوية، وفي مقدمها البنى التحتية ومراكز توليد الطاقة، يثير ترقبًا لمسار الحرب واحتمالاتها وأهدافها النهائية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، قدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد عياش قراءته لمآلات المواجهة وانعكاساتها على إيران ولبنان، مؤكدًا أن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني لم يعد واقعيًا بالوسائل العسكرية، معتبرًا أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية أثبتت أن هذا الهدف، وإن بقي مطروحًا لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يعد قابلًا للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية، بعدما تمكن النظام الإيراني من استعادة الحد الأدنى من مقومات البقاء، رغم الضغوط والحروب التي تعرض لها.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الاختبارات التي مرت بها إيران أظهرت أن إسقاط النظام، إذا كان سيحدث يومًا، فلن يكون نتيجة تدخل عسكري خارجي، وإنما سيكون مرتبطًا بالوضع الداخلي الإيراني وبقدرة الشعب الإيراني على إحداث التغيير، معتبرًا أن مستقبل النظام سيتحدد، في نهاية المطاف، من داخل إيران، وليس بفعل العمليات العسكرية الخارجية.
وأشار عياش إلى أن المشهد الحالي يوحي بأن إيران تتجه نحو مرحلة أكثر صعوبة، إلا أن تدهور أوضاع الدولة لا يعني بالضرورة انهيار النظام السياسي، لافتًا إلى ضرورة التمييز بين ضعف الدولة واستمرار النظام. وأضاف أن ذلك لا يعني أيضًا أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه، لأن إيران، بحسب تعبيره، لم تعد الدولة التي عرفها العالم خلال العقود الماضية، بعد التحولات الكبيرة التي أصابت بنيتها السياسية والعسكرية، ورحيل عدد من قياداتها التاريخية.
واعتبر أن مشروع الجمهورية الإسلامية دخل مرحلة تراجع واضحة، سواء داخل إيران أو على مستوى نفوذه الإقليمي، مشيرًا إلى أن هذا المشروع، الذي تمدد منذ عام 1979 وحتى السنوات الأخيرة، ولا سيما قبل حرب "طوفان الأقصى"، يواجه اليوم واقعًا مختلفًا تمامًا، بعدما تبدلت موازين القوى وظهرت معطيات جديدة في المنطقة. لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن مسار التحولات لا يزال طويلًا، وأن من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن مستقبل النظام الإيراني.
وفي قراءته للتصعيد العسكري الأميركي الأخير، أكد عياش أن ما يجري يمثل فصلًا جديدًا من الحرب الدائرة، بعدما سقطت فرص التوصل إلى تسوية سياسية كانت مطروحة في وقت سابق ضمن إطار تفاهمات غير معلنة، معتبرًا أن هذا المسار انتهى، على الأقل في المرحلة الراهنة، مع ازدياد تشدد الموقف الإيراني.
وأضاف أن إيران تتجه نحو مزيد من التصعيد، ولا سيما في ما يتعلق بمضيق هرمز، في حين لا تستطيع الولايات المتحدة، بصفتها قوة عظمى، الوقوف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي، رغم الفارق الكبير في موازين القوى بين الطرفين. وأوضح أن الأهداف التي تتعرض للقصف ليست جديدة، بل إنها مدرجة منذ سنوات ضمن بنك الأهداف الأميركي، إلا أن توقيت استهدافها يرتبط بتطورات الميدان والظروف السياسية والعسكرية، مشيرًا إلى أن الحرب لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، وأن الميدان هو الذي سيرسم مسار الأحداث المقبلة، مرجحًا وقوع تطورات إضافية نتيجة التدهور المتسارع في المشهد الإقليمي.
وفي معرض تفسيره لما وُصف بضعف الرد الإيراني حتى الآن، رأى أن طبيعة الردود ترتبط بالإمكانات الفعلية للنظام الإيراني في هذه المرحلة، مؤكدًا أن الظروف الداخلية التي يعيشها النظام تفرض عليه حسابات مختلفة، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أنه ما زال قائمًا ولم يسقط.
وعن انعكاسات التطورات على لبنان، أعرب عياش عن تشاؤمه، معتبرًا أن البلاد مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدًا. وأوضح أنه كان من الممكن، في حال التوصل إلى تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، أن تلعب طهران دورًا مساعدًا في تثبيت الاستقرار اللبناني، إلا أن الأمور تسير اليوم في الاتجاه المعاكس، مشيرًا إلى أن استمرار التصعيد سيقود إلى مزيد من التشدد في الموقف الإيراني، الأمر الذي سينعكس مباشرة على حزب الله. ولفت إلى أن المواقف الأخيرة الصادرة عنه توحي بأنه لا يزال بعيدًا عن أي تسوية سياسية، حتى وإن كانت كلفتها مرتفعة.
وأكد أن هذا الواقع ينذر بمزيد من التعقيد والتفاقم، خصوصًا في ما يتعلق بملف سلاح حزب الله، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر صعوبة على لبنان.
وعلى الرغم من اتساع رقعة المواجهة وتصاعد الضربات الأميركية، فإن مسار الأحداث لا يوحي بأن سقوط النظام الإيراني بات وشيكًا، بقدر ما يشير إلى استمرار استنزافه وإضعاف مشروعه الإقليمي. أما الحسم النهائي، فيبقى مرهونًا بما ستفرزه الساحة الداخلية الإيرانية، لا بما تحققه العمليات العسكرية وحدها.