July 15, 2026   Beirut  °C
سياسة

أمير المقداد: واشنطن وطهران تخوضان "تفاوضًا بالنار"... ولبنان يجب ألا يدفع الثمن

بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن العمليات العسكرية ضد إيران قد تستمر بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، عاد السؤال حول طبيعة المرحلة التي دخلتها المواجهة بين واشنطن وطهران: هل نحن أمام حرب تتوسع، أم أمام جولة ضغط جديدة هدفها تحسين شروط التفاوض؟

فالتصعيد المتبادل بين الطرفين لا يجري بمعزل عن الحسابات السياسية، خصوصًا مع بقاء ملفات أساسية عالقة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإيراني في المنطقة. ومع امتداد الصراع إلى ساحات عدة، تتزايد المخاوف من أن تمتد تداعيات المواجهة إلى ساحات أخرى، وفي مقدمتها لبنان.


فهل يستخدم الطرفان التصعيد أداةً تفاوضية لفرض الشروط، أم أن سياسة حافة الهاوية قد تقود إلى مسار يصعب ضبطه؟


في هذا السياق، أكد الناشط السياسي المعارض أمير المقداد أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن استمرار العمليات العسكرية لا ينبغي فهمها على أنها تحديد لمهلة زمنية للحرب أو إعلان عن موعد انتهائها، بل هي، بالدرجة الأولى، مهلة ضغط ورسالة إلى الإيرانيين بأن الوقت ليس مفتوحًا، وأن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر زخمًا وكلفة. وأشار إلى أن ترامب يعتمد، كما جرت العادة، على رفع سقف التصعيد السياسي والعسكري والنفسي لتعزيز موقعه التفاوضي قبل الدخول في أي مفاوضات من موقع أكثر قوة.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن ما يجري يندرج ضمن ما يُعرف بسياسة "حافة الهاوية"، حيث يحاول كل طرف إقناع الآخر بأنه مستعد للذهاب إلى أبعد مدى من دون التراجع. واعتبر أن هذه لعبة شديدة الخطورة قد تقود إلى توسيع الحرب أو إلى دفع الطرفين نحو التفاوض، مؤكدًا أن التصعيد أصبح جزءًا من عملية التفاوض، وليس مسارًا منفصلًا عنها، وهو ما وصفه بـ"التفاوض بالنار".


ورأى المقداد أن أهداف الإدارة الأميركية تبدلت مع تطور المعركة، بعدما كان الرهان في بدايتها يقوم على إحداث تغيير سريع في النظام الإيراني عبر استهداف قياداته وخلق اهتزاز داخلي، مستندًا إلى تصور بإمكانية تطبيق نموذج مشابه لما جرى في فنزويلا. إلا أن الوقائع أظهرت أن إيران تختلف جذريًا، لأن نظامها لا يقوم على شخص واحد، بل على مؤسسة دينية، وحرس ثوري، وأجهزة أمنية، إضافة إلى بنية عقائدية وشبكة مصالح اقتصادية وعسكرية، ما يجعلها قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى في حال خسارة عدد من قياداتها. ولفت إلى أن الحرس الثوري يبقى العنصر الأكثر تأثيرًا في هذه المنظومة، معتبرًا أن هذا النموذج يشبه إلى حد بعيد البنية التنظيمية التي يعتمدها حزب الله في لبنان.


وأضاف أن تعذر إسقاط النظام بسرعة دفع واشنطن إلى تعديل أولوياتها، فانتقلت من هدف تغيير النظام إلى إضعاف القدرات العسكرية والصاروخية، ولا سيما البرنامج الباليستي، وإضعاف البرنامج النووي، وتقليص نفوذ الحرس الثوري، واستنزاف الأوراق الإقليمية التي تمتلكها إيران، مثل حزب الله والحوثيين، بهدف تغيير ميزان القوى قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.


وأشار إلى أن الضربات لم تدفع إيران إلى التراجع كما كان متوقعًا، بل أظهرت مزيدًا من التشدد، مستشهدًا بورقة البنود الأربعة عشر، التي رأى أنها مالت أكثر لمصلحة إيران، معتبرًا أن الإدارة الأميركية باتت تسعى إلى تحقيق مكاسب تدريجية يمكن ترجمتها لاحقًا على طاولة التفاوض.


وفي ما يتعلق بالخيارات الإيرانية، رأى المقداد أن حسابات الربح والخسارة لدى النظام الإيراني تختلف عن حسابات الدول التقليدية، لأن الأنظمة العقائدية قادرة على تحمل كلفة أعلى، إذ تقدم الخسائر على أنها تضحيات لحماية الثورة والنظام، وهو ما يفسر اعتمادها خطابًا تعبويًا يستند إلى المظلومية والرموز الدينية. ولفت إلى أن إيران باتت تنظر إلى المواجهة الحالية على أنها معركة وجودية، خصوصًا عندما يصبح الاستهداف موجهًا إلى بنية النظام وقدراته الأساسية، وليس فقط إلى أذرعه الإقليمية.


وأوضح أن طهران تتحرك وفق مسارين؛ الأول يقوم على ردود مدروسة عبر استهداف المصالح والقواعد الأميركية، والضغط على الملاحة الدولية، ولا سيما في مضيق هرمز، إلى جانب استخدام أوراقها الإقليمية، مثل الحوثيين وحزب الله.


أما المسار الثاني، فيتمثل في احتمال توسيع رقعة المواجهة إذا اقتنع النظام بأن الهدف هو إسقاطه، بحيث يسعى إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها عبر استهداف ساحات ودول أخرى في المنطقة، ولا سيما دول الخليج، لتوجيه رسالة مفادها أنه لا يمكن استخدام أراضيها أو قواعدها أو أجوائها ضد إيران من دون أن تتحمل تبعات ذلك، في محاولة لتشتيت الضغوط وتوسيع دائرة المواجهة.


وأكد المقداد أن الولايات المتحدة تحاول الوصول إلى طاولة المفاوضات بعدما تكون قد أضعفت القدرات الإيرانية وغيّرت ميزان القوى، فيما تسعى إيران إلى إثبات قدرتها على مواصلة الضغط عبر الملاحة الدولية وساحات نفوذها الإقليمية، بما يسمح لها بالدخول في أي مفاوضات من موقع أكثر قوة.


ولفت إلى أن الفارق الأساسي بين الطرفين يتمثل في أن الولايات المتحدة تستطيع وقف العمليات والعودة إلى الداخل الأميركي، بينما قد يصبح النظام الإيراني أكثر استعدادًا للمخاطرة إذا اعتبر أن خسارة الحرب تعني سقوطه، مميزًا بين مصلحة الدولة الإيرانية ومصلحة النظام، الذي قد يعتبر بقاءه انتصارًا مهما بلغت كلفة الحرب على الاقتصاد والشعب الإيراني.


ورجح أن المفاوضات ستعود في نهاية المطاف، لكن وفق شروط مختلفة يسعى كل طرف إلى تحسينها قبل العودة إلى الطاولة. واعتبر أن السؤال الحقيقي ليس من انتصر، بل بأي ميزان قوى سيدخل كل طرف إلى المفاوضات، مؤكدًا أن لبنان يجب ألا يربط مصيره مجددًا بالصراع الأميركي - الإيراني، لأن أي تفاهم بين الطرفين أو خلاف بينهما ينعكس عليه، ما يستوجب إنهاء معادلة تحويله إلى ساحة احتياط أو ورقة في صراعات الآخرين.


وبين محاولات كل طرف تحسين موقعه قبل أي تفاوض، يتضح أن التصعيد بات ورقة ضغط يستخدمها الطرفان لتحسين شروطهما، لكن الخطر يبقى في أن تتجاوز هذه الحسابات حدودها، فتدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع.