July 13, 2026   Beirut  °C
سياسة

غسان الياسين: خطر الخلايا الإيرانية في سوريا لا يزال قائما

لم تكن التفجيرات التي ضربت دمشق مؤخرًا مجرد حادث أمني عابر، خصوصًا أنها تزامنت مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي حملت أبعادًا اقتصادية مهمة إلى سوريا. فعلى الرغم من إعلان السلطات السورية توقيف خلية مرتبطة بتنظيم داعش، قالت إنها تقف خلف العملية، فإن توقيت التفجيرات وما رافقها من تطورات سياسية وأمنية فتح الباب أمام تساؤلات حول خلفياتها والجهات التي قد تكون مستفيدة من زعزعة الاستقرار في سوريا.

هذه التطورات، التي جاءت بعد تهديدات أطلقها ابن خال الرئيس السوري المخـلوع بشار الأسد رامي مخلوف، فهل نحن أمام نشاط لخلايا داعش فقط، أم أن المشهد يتجاوز ذلك إلى صراع أوسع على النفوذ والأمن في سوريا؟


في هذا الإطار، أكد المحلل السياسي السوري غسان محمود الياسين أن توقيف الخلية المرتبطة بتنظيم داعش لا يعني إقفال ملف التفجير، معتبرًا أنها قد تكون بداية لمعرفة المزيد من التفاصيل، لأن العلاقة بين المجموعات الموجودة في سوريا والمتضررين من استقرارها معقدة. ووفقًا لرأيه، فإن أعداء استقرار سوريا كثر، وفي مقدمتهم إسرائيل وإيران، إضافة إلى حزب الله، باعتباره أداة إيرانية في المنطقة، مشيرًا إلى أن زعزعة الأمن في سوريا وإظهارها دولةً غير مستقرة يؤثران في الصورة التي تحاول سوريا الجديدة تصديرها، باعتبارها بيئة آمنة لجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار.


ولفت، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هناك عاملًا أساسيًا يجب عدم تجاهله، وهو وجود السلاح في سوريا منذ أربعة عشر عامًا، ووجود جماعات عديدة تحمل السلاح ومتضررة من مرحلة الاستقرار، وليس فقط الجماعات الجهادية، موضحًا أن هناك مجموعات كانت تعمل ضمن اقتصاد الحرب القائم على السلاح والممنوعات، ولا سيما الكبتاغون، وأن تجفيف مصادر تمويل هذه المجموعات يدفعها إلى البحث عن مصادر تمويل أخرى، ما يجعلها "لقمة سائغة" أمام أي جهة تبحث عن تنفيذ تفجيرات داخل سوريا أو إحداث بلبلة أمنية.


وتطرق الياسين إلى تهديدات رامي مخلوف، مشيرًا إلى أنها ليست المرة الأولى، لكنه رأى أن قدرته على تنفيذ عمليات من هذا النوع تبقى ضعيفة. واعتبر أن الفاعل الأهم الذي يمتلك القدرة على تنفيذ مثل هذه العمليات وتأمين التسهيلات اللوجستية هو إيران، عبر حزب الله، لافتًا إلى أن إيران كانت موجودة بقوة في سوريا خلال السنوات الماضية، ولديها مجموعات وخلايا لا تزال موجودة حتى اليوم.


وأضاف أن حزب الله يمتلك بدوره خلايا داخل سوريا، مشيرًا إلى وجود عشرات ضباط النظام السابق في لبنان، معتبرًا أن توقيت التفجير، بعد تهديدات رامي مخلوف وشركائه، لا يمكن اعتباره صدفة، وأن العامل الإيراني وحزب الله يبقيان عنصرين أساسيين في قراءة ما جرى.


وأشار الياسين إلى أن إيران تُعد من أكثر الأطراف تضررًا من التحولات التي شهدتها سوريا، بعدما خسرت نفوذًا بنته على مدى عقود من خلال علاقتها بالنظام السابق، ودعمها السياسي والعسكري والاقتصادي له، فضلًا عن إنفاقها مليارات الدولارات، لافتًا إلى أنه من الصعب على طهران التسليم بهذه الخسارة، لذلك تبحث عن أوراق ضغط مختلفة لتؤكد أنها لا تزال موجودة، رغم الضربات الكبيرة التي تعرضت لها.


وأوضح أن إحدى هذه الوسائل تتمثل، بحسب تقديره، في محاولة إحداث خلخلة أمنية عبر وجود خلايا وأتباع وأشخاص تربطهم بها علاقات قديمة، ويمكن استقطابهم بالمال لتنفيذ تفجيرات أو إثارة بلبلة من نوع آخر، معتبرًا أن خطر إيران تراجع بشكل كبير، لكنه لا يزال قائمًا، وقد يشكل تهديدًا، ولو بدرجة محدودة، لاستقرار سوريا ووحدتها.


وفي ما يتعلق بتنظيم داعش، أوضح الياسين أن خلايا التنظيم تراجعت بعد سقوط النظام، لكنها لا تزال تمتلك قدرة على الحشد لأسباب عدة، أبرزها العامل العقائدي، إذ يمكنها استغلال طبيعة المرحلة الجديدة في سوريا وتكفيرها، واعتبارها نظامًا علمانيًا ديمقراطيًا، إضافة إلى هشاشة الوضع الأمني، إلى حدٍّ ما.


وفي هذا السياق، أشار إلى أن الوضع الأمني في سوريا يشهد تحسنًا، وأن وزارة الداخلية اتخذت إجراءات عديدة، معتبرًا أن عودة داعش بقوة تبدو صعبة، إلا أن خطر التنظيم سيبقى موجودًا لفترة، وقد يحتاج الأمر إلى وقت للتخلص من نسبة كبيرة من تهديده، لافتًا إلى أن التنظيم يستفيد من سهولة التنقل بين سوريا والعراق، ومن وجود البادية السورية بيئةً خصبةً لنشاطه.


وختم الياسين بأن وزارة الداخلية السورية أطلقت حملة واسعة بعد العمليتين الأخيرتين، متوقعًا استمرارها بالزخم نفسه، وإن بعيدًا من الإعلام، موضحًا أن هناك، في عدد من المحافظات، خلايا يُشتبه بانتمائها إلى داعش أو إلى فلول النظام، أو إلى مجموعات كانت تستفيد من اقتصاد الحرب وأصبحت اليوم بلا مصادر تمويل. ورجح أن تشهد الأشهر المقبلة اعتقال هذه المجموعات وتعطيل نشاطها تباعًا.


وفي النهاية، وبعد التفجيرات التي شهدتها دمشق، ولا سيما أنها تزامنت مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي حملت أبعادًا اقتصادية، يبدو أن سوريا الجديدة أمام تحدٍّ لا يقتصر على كشف منفذي العمليات، بل يمتد إلى تفكيك الشبكات التي قد تستغل المرحلة الانتقالية لضرب الاستقرار وخلط الأوراق، وقطع الطريق أمام أي محاولات لإعادة تكريس النفوذ الإيراني داخل سوريا.