July 10, 2026   Beirut  °C
سياسة

الكاتب الإيراني مهدي رضا: نظام ولاية الفقيه يعيش أخطر مراحله

مع تجدد الضربات الأميركية على إيران، تعود المواجهة بين واشنطن وطهران إلى واجهة الأحداث، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد الاشتباك، أم أن ما يجري لا يزال في إطار سياسة الضغط والردع المتبادل. وبينما تتصاعد التساؤلات حول أهداف واشنطن ومدى استعدادها للذهاب أبعد من استهداف المواقع والقدرات العسكرية، يبقى السؤال الأبرز: هل يمكن أن تتحول هذه المواجهة إلى مسار يستهدف تغيير النظام في طهران، أم أن تعقيدات الداخل الإيراني وحسابات الإقليم تجعل هذا السيناريو بعيدًا؟

وفي هذا السياق، قال الكاتب الإيراني والخبير في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط مهدي رضا إن المنطقة تقف أمام مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، لكن يجب قراءة التطورات بدقة. وأضاف أن الضربات الأميركية الأخيرة تعني أن سياسة التساهل مع تهديدات النظام الإيراني، خصوصًا في ما يتعلق بمضيق هرمز والملاحة الدولية، لم تعد كافية بالنسبة إلى واشنطن، معتبرًا أن هناك تغييرًا في مستوى الرد وفي الرسالة الموجهة إلى طهران، مفادها أن الابتزاز عبر الميليشيات أو تهديد إمدادات النفط أو استهداف السفن لم يعد بلا ثمن.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أنه من الخطأ القول إن الولايات المتحدة انتقلت إلى استراتيجية واضحة لإسقاط النظام الإيراني، مشيرًا إلى أن إسقاط هذا النظام ليس مشروعًا عسكريًا خارجيًا، ولا يمكن أن يتحقق بالقصف وحده. وأضاف أن التجارب أثبتت أن الضربات العسكرية قد تضعف بعض قدرات النظام أو تربك حساباته، لكنها لا تغيّر طبيعته ولا تؤدي بالضرورة إلى سقوطه، معتبرًا أن التغيير الحقيقي في إيران لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل، عبر الشعب الإيراني وقوى المعارضة المنظمة.


وأشار رضا إلى أن المشكلة الأساسية تكمن، في أن نظام ولاية الفقيه يقوم على ثلاثة أعمدة: القمع في الداخل، وتصدير الأزمات إلى الخارج، والسعي إلى امتلاك أدوات نفوذ وابتزاز استراتيجية، من البرنامج النووي إلى الميليشيات والصواريخ. واعتبر أن أي سياسة لا تستهدف هذه البنية ستبقى ناقصة، مضيفًا أن النظام قد يتراجع تكتيكيًا أو يلجأ إلى المفاوضات، لكنه يستخدم التفاوض لكسب الوقت وإعادة ترتيب صفوفه وتهدئة أزماته الداخلية، وليس للتخلي عن جوهر مشروعه.


وتابع أن النظام الإيراني يمر اليوم بمرحلة صعبة، مشيرًا إلى أنه يواجه داخليًا غضبًا اجتماعيًا متزايدًا بسبب الأوضاع الاقتصادية والقمع والإعدامات. وأضاف أن هناك صراعًا سياسيًا داخل أجنحة الحكم حول كيفية التعامل مع واشنطن؛ فهناك من يدفع باتجاه التفاوض لتجنب مزيد من الضغوط، في مقابل تيار يخشى أن تؤدي أي تنازلات إلى انهيار هيبة الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية. واعتبر أن هذا الصراع ليس دليلًا على قوة النظام، بل يكشف عجزه عن اتخاذ قرار استراتيجي مستقر.


وأكد رضا أن الخيار، من وجهة نظره، لا يجب أن يكون الحرب أو الاسترضاء، مشددًا على أن الحرب وحدها لا تكفي، وأن الاسترضاء يمنح النظام فرصة جديدة. ورأى أن المسار الأفضل يكمن في ردع النظام من الخارج، بالتوازي مع الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاطه، ودعم المقاومة المنظمة التي أثبتت وجودها داخل إيران عبر وحدات المقاومة والاحتجاجات الشعبية.


وفي ما يتعلق بمسار الأزمة، اعتبر أن المجتمع الدولي، إذا أراد الوصول إلى نهاية حقيقية لها، فعليه النظر إلى مصدرها الأساسي، وليس فقط إلى المواقع العسكرية أو الملفات الآنية، مشيرًا إلى أن استمرار نظام ولاية الفقيه سيُبقي المنطقة في دائرة متكررة من التفاوض والتصعيد والابتزاز، ثم العودة إلى التفاوض، وأن إنهاء هذه الدائرة يتطلب تغيير النظام على يد الشعب الإيراني.


وفي سياق الحديث عن استهداف شخصيات إيرانية بارزة، رأى رضا أن هذه المعلومات يجب التعامل معها بحذر، مشيرًا إلى أنه ما لم تصدر تأكيدات رسمية أو معلومات موثوقة من مصادر مستقلة، فلا يمكن الجزم بصحة استهداف شخصيات محددة.


وأوضح أن الأجواء الحالية تشهد تداخلًا بين المعلومات الأمنية والحرب النفسية، إذ تستخدم الأطراف المختلفة التسريبات بهدف إرباك الخصم، أو رفع معنويات جمهورها، أو ممارسة الضغط في أي مسار تفاوضي.


ولفت رضا إلى أن الأهم من صحة كل معلومة منفردة هو قراءة المناخ العام داخل النظام الإيراني، معتبرًا أن تكرار الحديث عن استهداف شخصيات بارزة، سواء كان صحيحًا أم جزءًا من الحرب النفسية، يكشف أن رأس النظام لم يعد يشعر بالأمان، وهذا بحد ذاته تطور مهم. فالنظام الذي كان يصدر الأزمات إلى الخارج ويعتقد أن قياداته محصنة، بات يعيش تحت ضغط أمني وسياسي ونفسي كبير.


لكنه شدد، في المقابل، على ضرورة عدم تضخيم أثر استهداف شخصية أو عدد من الشخصيات، موضحًا أن الأزمة في إيران لا ترتبط بأفراد فقط، بل ببنية كاملة تشمل الحرس الثوري، وأجهزة الأمن، ووزارة المخابرات، والقضاء، والميليشيات، إضافة إلى المنظومة الاقتصادية المرتبطة بالنظام. واعتبر أن استهداف بعض الشخصيات قد يؤدي إلى إرباك مؤقت، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة ما لم يترافق مع تغيير أو انهيار في البنية السياسية والأمنية التي أنتجت هذه الشخصيات.


وأشار رضا إلى أن النظام الإيراني يسعى أيضًا إلى توظيف هذه الأجواء لمصلحته، عبر تضخيم خطر "العدو الخارجي" لتبرير مزيد من القمع في الداخل، والضغط على المجتمع، وتصوير الاحتجاجات الشعبية على أنها جزء من مؤامرة خارجية. وأضاف أن الشعب الإيراني ليس بحاجة إلى حرب خارجية لرفض هذا النظام، مشيرًا إلى أن الإيرانيين انتفضوا مرارًا للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة، وليس لأن قوة أجنبية حرّكتهم.


واعتبر أن ما يحدد مسار المواجهة فعليًا ليس فقط عملية أمنية هنا أو ضربة عسكرية هناك، بل مدى اتساع الشقاق داخل النظام، وفقدان السيطرة على الشارع، وتصاعد دور وحدات المقاومة، وتحول الغضب الشعبي إلى فعل منظم. ورأى أن هذه العوامل تمثل مصدر القلق الأكبر للنظام، ولذلك يلجأ، بحسب تقديره، إلى مواجهة الأزمات بمزيد من الإجراءات الأمنية والاعتقالات والإعدامات، انطلاقًا من إدراكه أن الخطر الحقيقي يأتي من الداخل.


ورأى رضا أن الضربات والعمليات الأمنية قد تغيّر ميزان الضغط، لكنها لا تصنع البديل. فالبديل، بحسب رأيه، موجود في الشعب الإيراني وقواه المعارضة المنظمة. ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية يجب أن تبقى واضحة: لا حرب، ولا مماشاة، ولا عودة إلى ديكتاتورية الشاه، ولا بقاء لنظام ولاية الفقيه. والحل، من وجهة نظره، يكمن في إسقاط نظام ولاية الفقيه وإقامة جمهورية ديمقراطية حرة تعيش بسلام مع شعبها وجيرانها.


وفي المحصلة، لا تبدو المواجهة بين واشنطن وطهران مجرد جولة جديدة من التصعيد، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة كل طرف على فرض معادلاته وتغيير قواعد اللعبة. فالضغوط العسكرية والخارجية قد تربك النظام الإيراني وتزيد من أزماته، لكنها لا تحسم وحدها مستقبل البلاد. ويبقى المسار النهائي مرتبطًا بما يجري داخل إيران، وبقدرة النظام على مواجهة أزماته المتراكمة والحفاظ على تماسكه في مواجهة ضغوط الداخل والخارج.