June 09, 2026   Beirut  °C
سياسة

المحلل في شؤون الأمن القومي الأميركي جو تابت: إيران خرجت من المواجهات كـ "وحش جريح"

ماذا بعد التطورات الخطيرة التي شهدتها المنطقة ليل الأحد صباح الإثنين، والتي أعادت شبح المواجهة العسكرية المباشرة بين طهران وتل أبيب إلى الواجهة؟

فبعد الهجوم الصاروخي الذي شنته إيران على إسرائيل ردا على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، وما أعقبه من رد إسرائيلي تمثل في غارات استهدفت مواقع عدة داخل الأراضي الإيرانية، بدا أن الطرفين اكتفيا بتبادل الضربات العسكرية قبل أن يعلنا لاحقا وقف عملياتهما الهجومية المتبادلة، في خطوة خففت منسوب التوتر، من دون أن تبدد المخاوف من جولة جديدة من التصعيد.

وفي ظل هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى ما ستحمله الأيام والأسابيع المقبلة، لا سيما على صعيد المسار الدبلوماسي والمفاوضات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران.


فالإدارة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لا تبدو متحمسة للدخول في مواجهة عسكرية واسعة مع طهران، بل تواصل الرهان على الخيار السياسي والدبلوماسي سعيا إلى التوصل إلى تسوية تنهي الصراع القائم بين الجانبين.


في المقابل، لا تخفي إسرائيل تمسكها بالخيار العسكري، سواء في مواجهة إيران أو في ما يتعلق بملفات المنطقة الأخرى، وفي مقدمها لبنان، ما يعكس تباينا واضحا في المقاربة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن كيفية التعامل مع التحديات الأمنية القائمة.


فأي النهجين ستكون له الغلبة في رسم ملامح المرحلة المقبلة؟ هل ينجح ترامب في فرض رؤيته القائمة على استكمال المفاوضات والتوصل إلى تسوية سياسية مع إيران، أم أن نتنياهو سيتمكن من تكريس مقاربته التي ترى في القوة العسكرية الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف الإسرائيلية، سواء في مواجهة إيران أو حزب الله؟


وفي قراءة للتطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، أكد المحلل في شؤون الأمن القومي الأميركي والصحافي جو تابت أن ما حصل لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثا منفصلا، بل هو جزء من سياق الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، موضحا أن هذا النزاع مر خلال الفترة الماضية بمراحل متفاوتة، شهد بعضها انخفاضا في مستوى التوتر العسكري، فيما شهدت مراحل أخرى تصعيدا وموجات عنف متكررة. واعتبر أن ما حصل أخيرا يمثل نموذجا جديدا لهذا التصعيد العسكري المتواصل.


ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المشهد الحالي لا يشير إلى تحقيق أي اختراق حقيقي، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي، مشيرا إلى أن الأهداف الأساسية التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران لم تتحقق حتى الآن.


وقال تابت إن هذه الأهداف تمثلت في 4 عناوين رئيسية، أولها تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وثانيها تفكيك البرنامج الباليستي، وثالثها وقف دعم طهران للأذرع والوكلاء المرتبطين بها في المنطقة، ورابعها تسليم الكميات المخصبة من اليورانيوم. أضاف إن أيا من هذه الأهداف الاستراتيجية لم يتحقق بصورة كاملة على الرغم من الضغوط العسكرية والاقتصادية الكبيرة التي تعرضت لها إيران.


وأشار إلى أن إيران تكبدت أضرارا عسكرية واقتصادية واضحة، وأن الاقتصاد الإيراني شهد تراجعا ملحوظا انعكس على مستويات المعيشة وارتفاع معدلات الفقر، إلا أن هذه الضغوط لم تنجح في دفع طهران إلى تقديم التنازلات المطلوبة أميركيا.


وعلى الصعيد الدبلوماسي، اعتبر تابت أن الموقف الإيراني أصبح أكثر تشددا، إذ رفعت طهران سقف مطالبها التفاوضية، وطرحت ملفات جديدة تتعلق بمضيق هرمز، بما في ذلك أفكار مرتبطة بفرض رسوم على حركة الملاحة البحرية، في ظل أجواء إقليمية لا تبدو بعيدة عنها سلطنة عمان ودول أخرى معنية بأمن الممرات البحرية، لافتا إلى أن الإدارة الأميركية تواجه حاليا ضغوطا متزايدة مرتبطة بعامل الوقت، مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس المقررة خلال الأشهر المقبلة.


وأوضح أن الرئيس دونالد ترامب يواجه تحديات اقتصادية داخلية تشمل التضخم وارتفاع أسعار السلع، إضافة إلى مؤشرات واستطلاعات رأي ترجح إمكان خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلس النواب. وبحسب تابت، فإن الرئيس الأميركي لا يرغب في خوض هذه الانتخابات من دون تحقيق إنجاز سياسي أو عسكري في الملف الإيراني، الأمر الذي يجعله أمام خيارات معقدة في المرحلة المقبلة.


وقال إن إسرائيل بدورها لا تزال تضغط لتحقيق أهدافها الأمنية والاستراتيجية، إلا أن خريطة الأهداف المعلنة لم تشهد حتى الآن أي إنجاز حاسم، مشيرا إلى وجود محاولات ووساطات عدة، من بينها جهود تقودها دول مثل قطر والسعودية وباكستان، بهدف التوصل إلى تفاهمات أو "اتفاق نوايا" بين واشنطن وطهران. لكنه أبدى تشككه في قدرة هذه المساعي على تحقيق نتائج طويلة الأمد.


ورجح تابت أن تبقى كفة التصعيد العسكري هي الأكثر حضورا خلال المرحلة المقبلة، خصوصا في ظل استمرار العداء بين إيران وعدد من دول الخليج العربية، معتبرا أن إيران خرجت من المواجهات الأخيرة وهي في وضع يشبه "الوحش الجريح"، بما يحمله ذلك من مخاطر على أمن المنطقة واستقرارها.


وأكد أن بقاء النظام الإيراني، على الرغم من ما تعرض له من استنزاف وضغوط، يعني استمرار امتلاكه أدوات تأثير سياسية وعسكرية عبر حلفائه ووكلائه في المنطقة، ومن بينهم حزب الله والحوثيون في اليمن، فضلا عن استمرار قدرته على التأثير في ممرات بحرية استراتيجية مثل باب المندب.


وفي ما يتعلق بلبنان، أشار تابت إلى وجود محاولات رسمية للدفع نحو ترتيبات تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق مقاربات أمنية جديدة في بعض المناطق تتمثل بما يسمى "المناطق التجريبية"، آملا في نجاح هذه الجهود. لكنه شدد على أنه لا يعلق عليها توقعات كبيرة في الوقت الراهن.


وأوضح أن الهدف الاستراتيجي للإدارة الأميركية في لبنان يتمثل في إضعاف حزب الله وتفكيك قدراته العسكرية والسياسية، مشيرا إلى أن واشنطن مستعدة لتقديم حوافز ودعم واسع للبنان إذا تحقق هذا الهدف. ومع ذلك، أعرب عن شكوكه في قدرة الولايات المتحدة على بلوغ هذه الغاية بالكامل.


كما استبعد تابت أي سيناريو يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين الجيش اللبناني وحزب الله، معتبرا أن قيادة الجيش اللبناني تتمتع بالخبرة والحكمة الكافيتين لتجنب إدخال البلاد في صدام داخلي أو في مرحلة من الغموض وعدم الاستقرار.


وتوقف عند بعض الطروحات المتعلقة بإمكان إشراك سوريا في معالجة ملف حزب الله، محذرا من حساسية هذا الأمر على المستوى اللبناني الداخلي، نظرا لما يحمله من تداعيات سياسية وطائفية وما يستحضره من ذكريات مرتبطة بالوجود السوري السابق في لبنان.


وفي تقييمه العام للمشهد الإقليمي، أكد تابت أنه لا يرى مؤشرات إيجابية تدل على قرب التوصل إلى تسوية شاملة. وقال إن المنطقة قد تشهد فترات تهدئة موقتة أو موجات من خفض التصعيد، إلا أن جذور الصراع ستبقى قائمة ما دام النظام الإيراني قادرا على الصمود والحفاظ على أدوات نفوذه الإقليمي.


وعن تراجع حدة خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران خلال الفترة الأخيرة، اعتبر أن الأمر لا يعكس استسلاما أو اعترافا بالفشل من جانب الرئيس ترامب، بل يندرج ضمن إطار المناورة السياسية والتكتيكية، موضحا أن ضيق الوقت والضغوط الاقتصادية الداخلية، إلى جانب رغبة حلفاء واشنطن في الخليج بإنهاء حالة التوتر، دفعت الإدارة الأميركية إلى اعتماد خطاب أقل حدة.


وأشار تابت إلى أن ترامب، بحكم شخصيته وأسلوبه السياسي، لا يميل إلى القبول بالهزيمة أو الاستسلام، لكنه في المقابل يدرك حدود المرحلة الحالية، ولذلك قد يلجأ إلى تهدئة موقتة وإدارة الأزمة بدلا من توسيع نطاق المواجهة، في انتظار ظروف أكثر ملاءمة لتحقيق أهدافه السياسية والاستراتيجية.


وعلى الرغم من تراجع حدة المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل في الوقت الراهن، فإن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل. فبين تمسك الولايات المتحدة بمسار التفاوض مع طهران، وإصرار إسرائيل على إبقاء الخيار العسكري مطروحا لتحقيق أهدافها، تبقى المنطقة أمام مرحلة بالغة الخطورة. وفي ظل استمرار المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون تحقيق اختراق حاسم حتى الآن، ستبقى الأنظار موجهة إلى ما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح في احتواء التوتر، أم أن المنطقة ستكون أمام جولة جديدة من التصعيد والمواجهة.