في تطور لافت، أفادت مصادر إعلامية بأن طهران أبلغت باكستان بموافقتها على نقل جزء من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، في وقت تواصل فيه واشنطن رفض الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
في تطور لافت، أفادت مصادر إعلامية بأن طهران أبلغت باكستان بموافقتها على نقل جزء من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، في وقت تواصل فيه واشنطن رفض الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
ويتزامن هذا الطرح مع تقرير مقلق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أكدت فيه عدم تمكنها من الوصول إلى منشآت إيران النووية باستثناء "بوشهر"، محذرة من استمرار تراكم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. ورغم هذه التعقيدات، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وجود تقدم ملموس في مسار المفاوضات!
هذا المشهد المعقد يطرح تساؤلات استراتيجية ملحة: هل يمكن أن تلجأ إيران إلى استخدام باكستان كورقة ضغط بعد هرمز؟ وهل يكمن الحل الحقيقي للأزمة النووية في نقل جزء من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، أم أن الأمر لا يتجاوز كونه مناورة تفاوضية جديدة؟
في هذا السياق، قال الباحث المختص بالشأن الإيراني مصطفى النعيمي إنه يرجح أن تعمل إيران على زعزعة أمن الطاقة من خلال محاولاتها استهداف ناقلات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، عبر هجمات متعددة المستويات تبدأ بالصواريخ الباليستية وتمتد إلى الطائرات المسيرة.
وأوضح النعيمي، في حديثه عبر منصة "بالعربي"، أن إيران ما زالت قادرة على تهديد أمن الطاقة، وهو ما سينعكس سلباً على الاقتصاد الدولي، وبالتالي على الأمن الدولي. وبناءً على ذلك، رأى أنه لا بد من وضع خطط متكاملة للقضاء على نظام الملالي الذي يتخذ من ملف الممرات المائية ورقة مقايضة، بدءاً من مضيق هرمز وصولاً إلى مضيق باب المندب، وذلك عبر ما وصفه بأدواته في اليمن والمتمثلة بجماعة أنصار الله (الحوثيين)، والتي يتم تشغيلها، بحسب رأيه، بأوامر إيرانية مباشرة، من دون أن يكون للشعب اليمني علاقة بقرار السلم أو الحرب الذي تتحمل هذه الجماعة مسؤوليته، على حد تعبيره، في ظل ما قد يترتب على ذلك من دفع البلاد نحو مزيد من المجهول نتيجة هذه السلوكيات العدائية تجاه العالم.
وأضاف أن ورقة الممرات المائية تُعد من الأوراق القوية التي تمتلكها طهران وتسعى إلى استثمارها للضغط في الملف النووي التفاوضي، الذي يعتبره خطاً أحمر لدى واشنطن لا يمكن التنازل عنه، كما يُنظر إليه باعتباره خطاً أحمر لدى المرشد الأعلى الإيراني.
وفي ما يتعلق بطرح نقل جزء من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، رأى النعيمي، وفق وجهة نظره ومتابعته الحثيثة لملف المفاوضات النووية، أن إيران ليست جادة في التفاوض النووي، بل تستخدم هذا المسار عنواناً للتفلت من العقاب، عبر سياسة "الهروب إلى الأمام"، واستثمار الوقت، والإغراق في التفاصيل، بهدف تجاوز مرحلة إدارة الحزب الجمهوري والرئيس الأميركي دونالد ترامب، على حد تعبيره، في محاولة لكسب الوقت ريثما تتغير الظروف السياسية في واشنطن.
وأضاف أن طهران، بحسب هذا التقدير، تراهن على أن أي تحول مستقبلي نحو إدارة ديمقراطية قد يتيح لها هامشاً أكبر لاستكمال برنامجها النووي. وفي المقابل، أشار إلى أن المقترحات المطروحة من قبل ما يُعرف بـ"أصدقاء إيران"، مثل روسيا والصين، لا تحظى بثقة كبيرة لدى الولايات المتحدة، معتبراً أن سجل هذه الأطراف في الملفات التفاوضية لم يحقق نتائج حاسمة في قضايا مشابهة.
كما أشار إلى أن بعض الملفات الإقليمية السابقة، ومنها ملف السلاح الكيميائي في سوريا خلال عهد نظام الأسد، ما تزال حاضرة في النقاشات الدولية، في ظل تقارير تحدثت عن امتلاك النظام مخزوناً من غاز السارين واستخدامه في عدة هجمات ضد المدنيين، وهو ما يزيد، بحسب هذا الطرح، من مستوى انعدام الثقة في مسارات الضمانات الدولية.
وأشار إلى أنه في حال اتجهت إيران نحو امتلاك سلاح نووي، فقد تواجه، وفق هذا التصور، ضربات عسكرية تستهدف منشآت تخصيب اليورانيوم، ولا سيما تلك المرتبطة برفع نسب التخصيب إلى مستويات مرتفعة تصل إلى 60%. واعتبر أن هذه التحركات، إلى جانب الأدوار الروسية والصينية، لم تُنتج حلولاً حاسمة حتى الآن، في ظل ما وصفه بمحاولة نظام "يتغذى على استثمار عامل الزمن" لتحقيق أهدافه وتفادي العقوبات الدولية.
وبناءً على مجمل ما سبق، يتضح أن الملف النووي الإيراني لم يعد مجرد خلاف تقني، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع يمتد إلى أمن الطاقة والممرات البحرية وتوازنات القوى الكبرى، ما يجعل أي اتفاق محتمل هشاً ما لم يُعالج أصل المشكلة المتمثل في غياب الثقة بين الأطراف.
وفي ظل استمرار استخدام أوراق الضغط من مختلف الجهات، يبدو المشهد أقرب إلى التصعيد منه إلى الاستقرار، ما يضع المنطقة أمام مرحلة حساسة قد تكون مفصلية في رسم التوازنات المقبلة.
ويبقى السؤال: هل يمكن فعلاً كسر دائرة التصعيد وبناء اتفاق يضمن الاستقرار، أم أن المنطقة تتجه نحو مواجهة تُفرض فيها الوقائع بدلاً من أن تُصاغ فيها الحلول؟