May 20, 2026   Beirut  °C
سياسة

زكريا الغول: واشنطن وبكين تقتربان من تفاهم على الملف الإيراني

بلهجة حاسمة، أعلنها ترامب: "زمن الصبر انتهى". المنطقة اليوم تنزلق نحو "منطقة الخطر"، مع تصعيد واشنطن لما بات يُوصف بـ"المقايضة الكبرى": تايوان والتجارة مقابل كبح الطموح النووي الإيراني. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تضحي بكين بحليفها التاريخي لتأمين مصالحها الاستراتيجية؟

بين طبول الحرب التي تُقرع في تل أبيب، وضغوط واشنطن الخانقة، يبرز السؤال المصيري: هل دقت ساعة "التصفية النهائية" للملف الإيراني؟

السيناريوهات تُحصر اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: ضربة عسكرية "جراحية" تقلب الطاولة، أو "اتفاق ضرورة" بشروط أميركية قاسية تنحني له إيران بعد اهتزاز أو سقوط "المظلة الصينية". وفي كلا المسارين… هل انتهت اللعبة؟


وفي هذا السياق، رأى المحامي الدكتور زكريا الغول أن التطورات الأخيرة في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تحمل دلالات استراتيجية عميقة تنعكس مباشرة على مستقبل إيران وموقعها في المعادلة الدولية، مشيرًا إلى أن الرئيس ترامب يسعى، من خلال انفتاحه المتجدد على الصين، إلى تحقيق هدف جوهري يتمثل في رفع الغطاء السياسي والاقتصادي الذي وفرته بكين لطهران طوال السنوات الماضية.


وتابع الغول، في حديثه لمنصة "بالعربي"، أن الدعم الصيني، ولا سيما من خلال استمرار شراء النفط الإيراني وتوفير منافذ تجارية ومالية بديلة، شكل عنصرًا أساسيًا في تمكين إيران من الصمود في مواجهة العقوبات الأميركية، لافتًا إلى أن المؤشرات السياسية الراهنة توحي بأن واشنطن تعمل على إدراج الملف النووي الإيراني ضمن إطار تفاهم أوسع مع الصين، يقوم على قاعدة واضحة مفادها أن كلًا من الولايات المتحدة والصين ترفضان امتلاك إيران للسلاح النووي، لما ينطوي عليه ذلك من تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي والدولي.


وأشار الغول إلى أن التمهيد لتوقيع اتفاقات تجارية كبرى بين واشنطن وبكين، إلى جانب الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، يشير إلى احتمال نشوء تفاهمات غير معلنة تتضمن تقليص هامش المناورة الإيراني، مقابل مكاسب استراتيجية واقتصادية للصين، سواء في ملف العلاقات التجارية الثنائية أو في ما يتعلق بملفات حساسة مثل تايوان.


ولفت إلى أن قراءة واقعية لطبيعة العلاقات الدولية تؤكد أن المصالح هي التي تحكم سياسات الدول الكبرى، وليس الاعتبارات الأيديولوجية أو العاطفية، موضحًا أنه، في ضوء هذا المنطق، تبدو إيران اليوم أمام مرحلة من العزلة المتزايدة، خاصة أنها استنفدت وقتًا طويلًا في المفاوضات دون الوصول إلى تسوية نهائية، في حين يرى ترامب أن عامل الزمن لم يعد في صالحه، لا سيما مع اقتراب استحقاقات دولية وسياسية كبرى، من بينها بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 FIFA World التي تستضيفها الولايات المتحدة بالشراكة مع كندا والمكسيك.


وأضاف أن المواقف الصادرة عن إسرائيل، وفي مقدمتها تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين بأن المواجهة مع إيران لم تنتهِ بعد، تعزز الانطباع بأن الخيار العسكري ما زال مطروحًا بقوة على الطاولة، مشيرًا إلى أن احتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية محدودة ضد أهداف إيرانية يظل قائمًا، ليس بهدف إسقاط النظام الإيراني، بل بهدف ممارسة أقصى درجات الضغط لإجبار طهران على توقيع اتفاق نهائي بشروط تصب بصورة أساسية في مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها.


وأشار إلى أن المؤشرات السياسية والاستراتيجية المتوافرة تقود إلى استنتاج مفاده أن إيران قد تواجه، في المرحلة المقبلة، ضغوطًا غير مسبوقة، تتراوح بين تشديد العزلة الاقتصادية والدبلوماسية وبين احتمال التعرض لضربة عسكرية محسوبة، لافتًا إلى أن الغاية النهائية من هذه الضغوط هي دفعها إلى قبول اتفاق نووي وأمني جديد بشروط أكثر صرامة، في ظل تفاهمات دولية قد تشمل غض نظر صينيًا مقابل مكاسب تحققها بكين في ملفاتها الحيوية، سواء في تايوان أو في العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة.


وأكد أن العالم تحكمه المصالح لا الشعارات، وأن إيران تبدو أمام لحظة مفصلية قد تجد نفسها فيها مضطرة إلى الاختيار بين القبول باتفاق قاسٍ يحد من طموحاتها النووية والإقليمية، أو مواجهة تصعيد عسكري وسياسي قد يزيد من عزلتها ويضعف قدرتها على المناورة في نظام دولي متغير.


إذاً، بين لغة المصالح وصراع الجبابرة، تقف طهران اليوم أمام "ساعة الصفر"، في لحظة تُطبخ فيها التفاهمات الكبرى بين واشنطن وبكين خلف الكواليس.


وفي عالمٍ تحكمه المصالح لا الشعارات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول إيران إلى "كبش الفداء" في تسوية كبرى بين واشنطن وبكين، تعيد رسم توازنات المنطقة للمرحلة المقبلة؟