يترقب العالم نتائج اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، في محطةٍ سياسية تتجاوز أبعادها الثنائية، نظرًا لما تحمله العلاقة بين واشنطن وبكين من تأثيرٍ مباشر على موازين القوى الدولية. ويتساءل المراقبون عما قد يحمله هذا اللقاء من رسائل سياسية، ولا سيما في هذا التوقيت الحساس، وما إذا كان ترامب يسعى من خلاله إلى توجيه إشارات تتصل بالملف الإيراني، في ظل التقارب القائم بين بكين وطهران، أم أن الاجتماع يندرج ضمن إطارٍ أوسع لإدارة التنافس بين القوتين الأكبر عالميًا.
فكيف يُقرأهذا اللقاء، وما الذي قد ينتج عنه؟
في هذا الإطار، أوضح الصحافي جاد الأخوي أن اللقاء الأميركي - الصيني المرتقب يحمل أهمية استثنائية، لأنه يأتي في لحظةٍ دولية شديدة الحساسية، حيث لم يعد التنافس بين واشنطن وبكين محصورًا بالاقتصاد أو التجارة فقط، بل بات صراعًا على شكل النظام الدولي وموازين القوى في العالم، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة تختلف عن نماذج الصراعات التقليدية، لأن الولايات المتحدة والصين، رغم التنافس الحاد بينهما، ما زالتا ترتبطان بدرجة كبيرة من التكامل الاقتصادي والتكنولوجي.
وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن الصين تعتمد في قطاعاتٍ متقدمة على التكنولوجيا الأميركية، وخصوصًا في مجال أشباه الموصلات والشرائح الإلكترونية والبرمجيات، فيما تعتمد الولايات المتحدة والشركات الغربية على القدرات الصناعية الصينية وعلى السوق الصينية الضخمة. ولفت إلى أن هذا الترابط يجعل من الصعب على الطرفين الذهاب إلى قطيعةٍ كاملة أو مواجهة مباشرة، لأن كلفة ذلك ستكون عالمية وليست محصورة بهما فقط.
واعتبر الأخوي أن أهمية هذا اللقاء تكمن في كونه محاولة لإدارة التنافس لا لتفجيره، إذ تريد واشنطن وضع قواعد واضحة للصراع، خصوصًا في ملفات التكنولوجيا وتايوان والنفوذ في آسيا، بينما تسعى بكين إلى تثبيت موقعها كقوة عالمية لا يمكن احتواؤها أو التعامل معها بمنطق الحرب الباردة القديمة.
وأفاد بأن اللقاء يأتي أيضًا وسط أزماتٍ دولية متشابكة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط والقلق الاقتصادي العالمي، ما يجعل أي تفاهمٍ ولو محدود بين القوتين مؤثرًا على الاستقرار الدولي والأسواق العالمية.
وأكد أن العالم يتجه نحو نظامٍ متعدد الأقطاب، وأن هذا اللقاء ليس مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل جزء من إعادة رسم التوازنات الدولية في المرحلة المقبلة، ضمن معادلةٍ تجمع بين التنافس الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي في آنٍ واحد.
وفيما إذا كان هذا اللقاء سيؤثر على الشأن الإيراني، أوضح الأخوي أنه من الصعب فصل اللقاء الأميركي - الصيني عن الملف الإيراني بشكلٍ كامل، لأن الصين أصبحت شريكًا أساسيًا لطهران اقتصاديًا وسياسيًا، ولها دور متزايد في الشرق الأوسط. لكنه أشار إلى أن إيران ليست محور اللقاء بقدر ما هي جزء من المشهد الإقليمي الأوسع.
وأضاف أن واشنطن تراقب التقارب الصيني - الإيراني بحذر، خصوصًا لناحية تأثيره على العقوبات وعلى توازنات المنطقة، فيما تحاول بكين الحفاظ على علاقةٍ متوازنة مع الجميع، من إيران إلى دول الخليج والولايات المتحدة، انطلاقًا من مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، معتبرًا أن الملف الإيراني قد لا يكون بندًا مباشرًا على الطاولة، لكنه حاضر حتمًا في خلفية النقاشات المرتبطة بأمن المنطقة والطاقة والاستقرار الدولي.
وأشار الأخوي إلى أن الصين تنظر إلى علاقاتها الدولية من زاوية المصالح الاقتصادية أولًا، ولذلك تحاول الحفاظ على توازنٍ دقيق بين شراكتها مع إيران وعلاقتها بالولايات المتحدة، موضحًا أن بكين ترى في إيران مصدرًا مهمًا للطاقة وشريكًا استراتيجيًا في المنطقة، لكنها في المقابل تدرك أن اقتصادها مرتبط بشكلٍ عميق بالأسواق العالمية وبالعلاقة مع الولايات المتحدة والتكنولوجيا الغربية.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن الأولوية بالنسبة للصين هي حماية اقتصادها ومنع أي مواجهة كبرى قد تؤثر على نموها أو تجارتها الدولية، مشيرًا إلى محاولتها الاستفادة من علاقتها مع إيران من دون الذهاب إلى صدامٍ مباشر مع واشنطن، وتعتمد سياسة براغماتية تقوم على إدارة المصالح لا الدخول في محاور حادة أو مغامرات سياسية قد تضر باقتصادها.
وفيما إذا كان هذا اللقاء سيشكل مدخلًا لضبط قواعد الاشتباك، بيّن الأخوي أن اللقاء يندرج أكثر ضمن محاولة "إدارة التوتر" وليس إنهاء التنافس. وأوضح أن الخلاف بين واشنطن وبكين أصبح بنيويًا ويتعلق بالاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ العسكري وشكل النظام الدولي، وبالتالي من الصعب الحديث عن تسوية شاملة بين الطرفين.
لكنه نوه، في المقابل، إلى وجود إدراك متبادل بأن التصعيد المفتوح قد يكون مكلفًا جدًا للجميع، لذلك يسعى الطرفان إلى وضع قواعد اشتباك تمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، خصوصًا في ملفات حساسة مثل تايوان والتجارة والتكنولوجيا، مشيرًا إلى أن اللقاء قد يساهم في إعادة تنظيم العلاقة وتخفيف الاحتقان، لكنه لا يلغي حقيقة أن العالم دخل مرحلة تنافس طويل الأمد بين القوتين الأكبر عالميًا.
وفي ما يتعلق بالانعكاسات الإقليمية، أوضح الأخوي أن أي تفاهم أميركي - صيني، حتى لو كان محدودًا، يمكن أن ينعكس مباشرةً على توازنات المنطقة، لأن القوتين تؤثران بشكلٍ كبير على الاقتصاد العالمي والطاقة ومسارات النزاعات الإقليمية، مؤكدًا أن أي تهدئة بين واشنطن وبكين قد تدفع نحو مقاربةٍ أكثر هدوءًا في التعامل مع إيران، سواء في ملف العقوبات أو في إدارة التوترات الإقليمية.
ورأى أن الصين تملك علاقات قوية مع طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انفجارًا كبيرًا في المنطقة يهدد مصالحها الاقتصادية وإمدادات الطاقة، لذلك قد تلعب دورًا في تشجيع الاستقرار أو تخفيف التصعيد إذا وجدت تفاهمًا أوسع مع الولايات المتحدة.
وختم بالإشارة إلى أن الصين تسعى إلى تشجيع الاستقرار والحفاظ على مصالحها، معتبرًا أن أي تدهور إضافي في العلاقة الأميركية - الصينية قد يدفع إيران أكثر نحو الشرق، ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي.
وعليه، يبقى هذا اللقاء في إطار الترقب، من دون إمكانية الجزم بما قد يحمله من نتائج أو اتجاهات، خصوصًا في ظل تشابك الملفات الدولية وتعقّد العلاقة بين واشنطن وبكين، وما إذا كانت أي تفاهمات محتملة ستنعكس فعليًا على ملفات المنطقة، وفي مقدّمها الملف الإيراني.