أثارت الفيديوهات المسرّبة والمتداولة من داخل سجن صيدنايا جدلا واسعا، بعدما ظهرت عبر مصادر غير معروفة على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تحذف سريعا، ما فتح الباب أمام تساؤلات عدة حول توقيت نشرها، والجهة التي تقف خلف تسريبها، والرسائل الكامنة وراء إخراج هذه المواد إلى العلن في هذا التوقيت تحديدا. كما أعاد تداول هذه المقاطع طرح علامات استفهام حول مصير أرشيف السجن، والجهات التي وصلت إليه بعد سقوط النظام، في ظل تقارير سابقة تحدثت عن الاستحواذ على وثائق وأجهزة ومعدات من داخله.
في هذا الإطار، أكد الكاتب والمحلل السياسي عباس شريفة أن طريقة نشر الفيديوهات ثم حذفها سريعا توحي بوجود محاولة متعمدة لخلق حالة من البلبلة وزعزعة الاستقرار داخل المجتمع السوري، إضافة إلى إثارة الشكوك حول قدرة المؤسسات الرسمية على كشف الحقيقة كاملة، لا سيما وأن هذه المواد لم تسلم إلى الجهات المختصة، بل تُداولت بطريقة إعلامية مفتوحة، مشيرا إلى أن إدارة ملف بهذا الحجم والحساسية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بدل إحالته إلى جهات قضائية أو جنائية مختصة، يطرح تساؤلات جدية حول نوايا القائمين على النشر. واعتبر أن المواد المرتبطة بملفات إنسانية لا ينبغي أن تستخدم كوسيلة ضغط أو مادة إعلامية، بل يجب أن تعالج ضمن أطر قانونية تحفظ حقوق الضحايا وذويهم.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذا النوع من النشر قد يترك تداعيات اجتماعية خطيرة، خصوصا لدى عائلات الضحايا الذين قد يتعرفون إلى أبنائهم أو أقاربهم في هذه المقاطع، ما قد يدفع بعضهم إلى ردود فعل انفعالية أو مطالبات انتقامية، بدل توجيه القضية نحو مسار العدالة المنظم.
وفي المقابل، شدد شريفة على أن التشكيك بطريقة النشر لا يلغي ضرورة التحقق من صحة هذه الفيديوهات، موضحا أنه يجب إخضاعها للتدقيق الفني والقانوني من قبل خبراء مختصين، وفي حال ثبتت صحتها يمكن اعتمادها كوثائق وقرائن ضمن ملفات العدالة الانتقالية.
أما في ما يتعلق بمصير الأرشيف، فرأى أن ظهور هذه المواد عبر جهات غير رسمية يدل على أن أطرافا عدة دخلت إلى السجن قبل وصول الجهات المختصة، واستولت على أجهزة ووثائق ومواد مرئية، مرجحا أن تكون بعض الدوافع مالية أو استخباراتية، أكثر منها مرتبطة بحفظ الأدلة أو صون حقوق الضحايا.
وقال شريفة إن حالة الفوضى التي رافقت فتح السجون وإخراج الموقوفين بشكل عشوائي، مع غياب القدرة الكافية على ضبط المواقع الحساسة، ساهمت في تشتت الأرشيف بين أكثر من جهة، بدل أن يكون محفوظا ضمن مرجعية واحدة، مشيرا إلى أن جزءا من الأرشيف أتلف، فيما سرق جزء آخر، في حين بات قسم منه موجودا لدى هيئات معنية بالعدالة الانتقالية أو لدى جهات قضائية سورية مختصة.
وأكد أن ما يُتداول اليوم لا يشير بالضرورة إلى وجود نسخ كاملة ومنظمة من الأرشيف، بل إلى أجزاء مبعثرة يُوظف بعضها سياسيا وأمنيا، بدل وضعها في سياقها القانوني الطبيعي، معتبرا أن التحدي الحقيقي يكمن في جمع هذه المواد ضمن إطار موحد يضمن كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.