April 27, 2026   Beirut  °C
سياسة

صلاح تقي الدين: تعثّر المفاوضات الأميركية–الإيرانية يفتح الباب أمام الخيار العسكري

تعود المفاوضات الأميركية–الإيرانية إلى الواجهة وسط تعقيدات متزايدة تحكم مسارها وتضعه أمام أكثر من احتمال.

وتأتي التصريحات الأميركية الأخيرة، ولا سيما ما يصدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سياق يراوح بين رفع سقف الضغط السياسي وإبقاء مسار التفاوض مفتوحًا بشروطٍ أكثر تشددًا، في وقتٍ تتداخل فيه العوامل الخارجية مع تعقيداتٍ داخلية في بنية القرار الإيراني.

فإلى أين يتجه هذا المسار في المرحلة المقبلة؟

في هذا الإطار، أكد رئيس تحرير جريدة الأنباء الإلكترونية، الكاتب والمحلل السياسي صلاح تقي الدين، أن المفاوضات الأميركية–الإيرانية تتسم بدرجةٍ عالية من التعقيد، نتيجة الشروط المسبقة التي يضعها كل من الطرفين؛ إذ تصر واشنطن على استمرار سياسة الحصار على الموانئ الإيرانية، فيما يطالب الجانب الإيراني بضماناتٍ تتعلق بالإفراج عن الأرصدة المجمدة مقابل أي بحثٍ في ترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز، في وقتٍ يقدم فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاربة تفيد بأن هذا المسار لا يتأثر بشكلٍ مباشر بإغلاق المضيق.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن حديث ترامب عن "غياب طرفٍ يمكن التفاوض معه" لا يعكس فقط أزمةً في قنوات التفاوض، بل يرتبط أيضًا بإشكاليةٍ داخلية في بنية القرار الإيراني، لا سيما بعد اغتيال قيادات الصف الأول، ما أدى إلى انتقال ثقل القرار بشكلٍ أكبر نحو الحرس الثوري الإيراني. واعتبر أن هذا التحول جعل مسار التفاوض أكثر تعقيدًا، في ظل تباينٍ واضح بين مقاربة المؤسسة العسكرية ومقاربة بعض الدوائر السياسية في طهران حيال مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة ودول الجوار.


ولفت تقي الدين إلى أن الضربات الأميركية–الإسرائيلية التي استهدفت قياداتٍ إيرانية بارزة ساهمت في إحداث خللٍ بنيوي في إدارة القرار داخل طهران، مشيرًا إلى معلوماتٍ متداولة حول الوضع الصحي السيئ للمرشد مجتبى خامنئي، ما ينعكس على درجة التماسك في هرم القيادة. وأضاف أن القرار بات عمليًا يدور في فلك الحرس الثوري الإيراني المرتبط بالمرشد بشكلٍ مباشر، في وقتٍ كان يُفترض أن يُحال فيه القرار السياسي، وفق التوازنات الدستورية داخل النظام، إلى رئيس مجلس النواب محمد باقر قاليباف، إلا أن هذا المسار بقي غير مكتملٍ وغير حاسم، في ظل تراجع قدرة بعض المؤسسات، ومنها البرلمان، على لعب دورٍ فاعل، وسط تسريباتٍ تتحدث عن تبايناتٍ داخلية في إدارة ملف التفاوض، رغم نفيها رسميًا.


وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، أوضح أن واشنطن أدركت صعوبة خيار تغيير النظام، رغم ما نفذته من ضرباتٍ عسكرية ألحقت خسائر كبيرة بالبنية الإيرانية يصعب تعويضها في المدى القريب. واعتبر أن سياسة الحصار التي يعتمدها دونالد ترامب باتت تشكل الأداة الأساسية في التعامل مع الملف الإيراني، لما لها من قدرةٍ على تعميق العزلة الاقتصادية وتكثيف الضغط الداخلي، في مقابل تراجع أولوية خيار إسقاط النظام ضمن الحسابات الأميركية، من دون استبعاد اللجوء إلى ضرباتٍ محدودة في حال فشل المسار التفاوضي الذي ترعاه باكستان، موضحًا أن هذا الحصار يحقق نتائج ترضي أميركا أكثر من خيار إسقاط النظام نفسه.


وأفاد تقي الدين بأن الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، ولا سيما تلك المرتبطة بالحظر على الموانئ الإيرانية، تضع النظام أمام تحدياتٍ داخلية متزايدة، من شأنها أن تنعكس على الوضع الاجتماعي، مع تصاعد مطالب بإعادة النظر في كلفة الدعم الخارجي مقابل تحسين الأوضاع المعيشية. واعتبر أن هذا المسار قد يدفع طهران إلى مراجعة حساباتها التفاوضية والدخول في قدرٍ أكبر من المرونة، أو مواجهة ضغوطٍ داخلية متصاعدة قد تأخذ شكل احتجاجات، مع الإشارة إلى أن التصعيد الخارجي قد يؤدي أحيانًا إلى تعزيز الالتفاف الشعبي حول القيادة.


وختم بالتأكيد على أن استمرار تعثر المفاوضات، رغم الوساطات الجارية، قد يفتح الباب أمام العودة إلى خياراتٍ أكثر تصعيدًا، بما في ذلك الخيارات العسكرية التي لم تعد مستبعدة ضمن الحسابات الأميركية، والتي قد تتدرج من ضرباتٍ محدودة ومركزة إلى عملياتٍ أوسع، وصولًا إلى بحث سيناريوهاتٍ أكثر خطورة في حال انهيارٍ كامل للمسار التفاوضي، وإن كانت هذه الخيارات تبقى محكومةً باعتباراتٍ إقليمية معقدة.


وأوضح أن دونالد ترامب سبق أن تحدث عن رفض استخدام السلاح النووي ضد إيران، إلا أن ذلك لا يستبعد، بحسب التقديرات، البحث في أدواتٍ عسكرية بديلة ذات تأثيرٍ استراتيجي عالٍ تستهدف البنى التحتية الحيوية، خصوصًا منشآت الطاقة، في إطار ضغطٍ مركب يجمع بين الحصار والتصعيد المحدود.


في المحصلة، تبدو المفاوضات الأميركية–الإيرانية محكومةً بتوازنٍ دقيق بين التصعيد والاحتواء، من دون مؤشراتٍ واضحة على اختراقٍ قريب أو انفراجٍ حاسم. فبين تشدد واشنطن في أدوات الضغط، وإعادة تشكل مراكز القرار داخل طهران، يبقى المسار مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددة، من استمرار الاستنزاف إلى تصعيدٍ محدود، في ظل غياب أفقٍ نهائي واضح في المدى القريب.