وسط تصاعد التوتر الإقليمي، حصلت هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران في محاولة لتجميد الصراع وفتح مجال للحوار الأوسع. إلا أن هذه الهدنة جاءت وسط تخبط واضح في التصاريح بين الطرفين، ما يعكس غموضا عميقا حول مدى الثقة بنجاحها، في وقت يترقب فيه الشارع الإيراني ومختلف فصائل المعارضة النتائج.
فهل تمثل هذه الهدنة مجرد مناورة تكتيكية لالتقاط الأنفاس، أم أنها مؤشر على مرحلة ضعف حقيقية للنظام الإيراني قد تسرع من تفككه الداخلي وتمهد الطريق لتغيير سياسي أوسع؟
في هذا الإطار، أكد عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وممثلها في إيطاليا محمود حكميان أن النظام الإيراني لا يفهم إلا لغة القوة، مشيرا إلى أن التحولات السريعة نحو الهدنة والمفاوضات تعكس مسارات تخص الأطراف الخارجية، فيما ترى المقاومة الإيرانية أن ما يحصل هو نتيجة مباشرة للضغوط العسكرية التي أدت إلى تدمير بنيوي في الآلة العسكرية للنظام.
واعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن قبول الهدنة لا يعكس أي تبدل فعلي في سلوك النظام أو طبيعته، بل هو إقرار بمروره في واحدة من أضعف مراحله، ومحاولة لالتقاط الأنفاس، مؤكدا أن الحل لا يكمن في المهادنة أو التدخل العسكري الخارجي، بل في إسقاط النظام على يد الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة.
وأشار حكميان إلى أن أي هدنة في ظل استمرار النظام تبقى "تجميدا موقتا"، لافتا إلى أن هذا النظام قائم منذ نشأته على ركيزتين أساسيتين: القمع الداخلي وتصدير الأزمات والحروب والإرهاب إلى الخارج. ورأى أنّ التخلي عن هذا النهج يشكل تهديدا وجوديا له. وقال إنّ الموافقة على الهدنة جاءت تحت وطأة الدمار الذي طال بنية "حرس الملالي"، وهي بمثابة استراحة تكتيكية لإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة تحت القيادة الهشة وغير الشرعية لمجتبى خامنئي.
وفي ما يتعلق بالملف النووي، أوضح أن النظام استخدمه تاريخيا كأداة ابتزاز دولي لضمان بقائه، معتبرا أن أي تنازلات قد يقدمها في هذا السياق ستكون تكتيكية وشكلية، هدفها تخفيف الضغوط الاقتصادية، وتأمين الموارد المالية لاستمرار أجهزته القمعية، وليس نتيجة تغيير فعلي في سياساته. وشدد على أن الضمانة الحقيقية لإيران غير نووية لا تكمن في المفاوضات، بل في مشروع بديل تقوده المعارضة يقوم على دولة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
ولفت حكميان إلى أن أي اتفاق طويل الأمد لن يؤدي إلى تثبيت النظام، بل إن تداعيات الحرب، سواء على مستوى تدمير البنية العسكرية أو تفاقم الأزمات الداخلية، ستؤدي إلى مزيد من التصدع داخل السلطة، مشيرا إلى أن التغيير لن يأتي عبر إصلاحات داخلية أو تعديل في السلوك، بل عبر انهيار داخلي محتمل، في ظل تراكم الغضب الشعبي وتعقيدات المشهد السياسي.
وفي السياق نفسه، اعتبر أن المعارضة الإيرانية، على الرغم من غياب الاحتجاجات الواسعة حاليا نتيجة الظروف التي فرضتها الحرب، لا تزال في حالة تنظيم واستعداد عال، من خلال العمل الاستخباراتي والعملياتي، وجمع المعلومات وتنفيذ عمليات موجهة ضد مراكز القمع لـ "حرس الملالي"، إضافة إلى التحضير لاستثمار أي فراغ قد ينشأ عن ضعف النظام، تمهيدا لمرحلة انتقالية سياسية.
وأوضح حكميان أن الحديث عن انقسام بين "معتدلين" و "متشددين" داخل عباءة الولي الفقيه هو طرح مضلل، مؤكدا أن الخلافات الحقيقية داخل النظام ليست سياسية بقدر ما هي صراعات دموية على السلطة والنفوذ ومكاسب النهب، في ظل تراجع هيبته وفقدانه لمركزه.
وأشار إلى أن هذه التصدعات باتت واضحة في أعلى هرم السلطة، لافتا إلى ما تُداول حول تصويت نحو 50 عضوا فقط داخل "مجلس الخبراء" عند تنصيب مجتبى خامنئي، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة الحاكمة. ورجّح، في ختام حديثه، أن تتسارع وتيرة هذه الانقسامات في المرحلة المقبلة، بما يسرع من تفككه الداخلي ويمهد الطريق أمام وحدات المقاومة والشعب الإيراني لإنهاء حقبة ولاية الفقيه.
في الخلاصة، يبدو أن الهدنة الموقتة لا تغير من جوهر الصراع الإيراني الداخلي، لكنها تكشف مدى هشاشة النظام وضعفه. في المقابل، تحاول المعارضة الإيرانية الاستعداد لأي فرصة مناسبة لاتخاذ خطوة نحو التغيير داخليا. من هنا يبدو أن مستقبل إيران لن يتحدد فقط بما يحدث على طاولة المفاوضات، بل بما ستسفر عنه التحولات الداخلية وقوة الفاعلين المحليين في إعادة رسم موازين القوى.