تشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تطورات لافتة، مع إسقاط طائرتين أميركيتين، الأولى من طراز F15 في وسط طهران، والثانية نوع A10 قرب مضيق هرمز، ما يثير تساؤلات حول امتلاك طهران قدرات دفاع جوي متقدمة ومصادر حصولها عليها.
يأتي ذلك بالتزامن مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتصاعد حدة الخطاب السياسي، ما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد عسكري أوسع، وربما اللجوء إلى خيارات غير تقليدية في إدارة الصراع.
في قراءة تحليلية للمشهد العسكري الراهن في إيران، أوضح مستشار قناة العربية للشؤون العسكرية والتسلح رياض قهوجي أن التقديرات حتى الآن تشير إلى أن طهران تعتمد تكتيكا جديدا في استخدام المنصات الصاروخية المتوافرة لديها، في ظل غياب أي مؤشرات على إدخال أسلحة نوعية جديدة إلى ساحة المواجهة، مؤكدا أنّ الحصار البحري والجوي المفروض، إلى جانب رصد التحركات البرية، يمنع وصول أي دعم عسكري جديد، سواء من روسيا أو من الصين. وأشار إلى أنّ هذا الواقع لا يشهد أي تغيير في الوقت الحالي.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الجانب الإيراني لا يزال يمتلك بعض منظومات الصواريخ، إلا أن عددا من الأنظمة الموجهة بالرادار قد دمّرت، ما دفعه إلى الاعتماد بشكل أكبر على منظومات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، أي تلك التي تستهدف البصمة الحرارية للطائرات، خصوصا التي تحلق على ارتفاعات متوسطة ومنخفضة، لافت إلى أنّ هذه التكتيكات تقوم على استخدام منصات متحركة تنفذ الضربات ثم تعيد التموضع بسرعة، ما يشبه نصب الكمائن في المناطق المستهدفة بشكل متكرر.
وأوضح قهوجي أن هذه المنظومات لا تصدر إشعاعات يمكن رصدها كما هو الحال في أنظمة الرادار، بل تعتمد على التقاط البصمة الحرارية للطائرات، ومن ثم إطلاق الصواريخ نحوها. وبعد تنفيذ العملية، تعمد المنصة إلى الانسحاب والاختباء في موقع آخر، ما يعزز من صعوبة تعقبها، متوقعا أن تلجأ القوات الأميركية إلى تعديل أنماط تحليقها، والعودة إلى الارتفاعات المتوسطة والعالية، للحد من المخاطر الناتجة عن هذه التكتيكات، مشيرا إلى أنّه من غير المرجح استمرار التحليق على الارتفاعات المنخفضة كما كان في الأيام الماضية.
وفي ما يتعلق باستخدام أسلحة ذات تأثير كهرومغناطيسي، أشار إلى أن هذا الخيار لا يبدو مطروحا حاليا، نظرا لأن الهدف الأساسي يتمثل في تدمير المنشآت وليس تعطيلها فقط، شارحا أنّ النبضات الكهرومغناطيسية تستخدم عادة لتعطيل الأنظمة الكهربائية من دون إحداث دمار كبير، وهي تقنية معقدة وتحتاج إلى إطلاق من ارتفاعات عالية لتحقيق تأثير ملموس، كما أن نتائجها تبقى محدودة مقارنة بالقصف التقليدي. لذلك، رجح أن يُعتمد على الذخائر التقليدية لتحقيق أهداف التدمير.
أما في ما يخص لبنان، فرأى قهوجي أن أمد الحرب مرشح للاستمرار، ولا توجد مؤشرات على توقف قريب للعمليات العسكرية، خصوصا في ظل ربط إسرائيل إنهاء التصعيد بحسم ملف سلاح حزب الله، معتبرا أنّ الحديث عن وقف الحرب في لبنان نتيجة تسوية مرتبطة بإيران لا يعدو كونه مضيعة للوقت. وأكد أنّ طهران لن تربط مصيرها في المواجهة بالساحة اللبنانية.
وأشار إلى أن أي وقف لإطلاق النار في إيران لن ينعكس تلقائيا على لبنان، في ظل وجود إصرار على إنهاء ملف حزب الله، إلا في حال التوصل إلى اتفاق يتضمن تسليم سلاحه، وهو أمر غير مطروح حاليا، متوقعا، نتيجة لذلك، استمرار معاناة المدنيين، وعدم تمكن النازحين من العودة إلى مناطقهم في الجنوب في المدى القريب.
كما لم يستبعد قهوجي احتمال تنفيذ عمليات عسكرية من اتجاه جبل الشيخ أو من الأراضي السورية، في ظل الجهوزية الإسرائيلية والظروف الميدانية في سوريا التي قد تسمح بمثل هذه التحركات الالتفافية.
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية اللبنانية، أشار إلى أن بعض المرافق قد تكون عرضة للاستهداف، مثل الجسور، وربما بعض منشآت الكهرباء، مستبعدا أن تشمل الضربات مرافق حيوية كالمطار والمرفأ في الوقت الراهن. ورجّح استمرار المنع الأميركي لاستهدافهما، خصوصا وأنهما لم يعودا يشكلان نقطة إمداد فاعلة لحزب الله.
وأكد قهوجي أن المشهد الحالي يعكس استمرار العمليات ضمن وتيرة مرتفعة، مع غياب أي مؤشرات جدية على التهدئة في المدى القريب، ما يبقي المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على مزيد من التصعيد والتعقيد.
في المحصلة، يعكس الوضع في إيران وجنوب لبنان مرحلة تصعيد مستمرة تتسم بتكتيكات متغيرة وضغوط عسكرية متزايدة، من دون مؤشرات واضحة على قرب التهدئة. ويبقى المشهد مفتوحا على احتمالات عدة، في ظل تعقيدات سياسية وعسكرية تجعل من الحلول السريعة أمرا مستبعدا في الوقت الراهن.