بعد إعلان الحوثيين في اليمن انخراطهم في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، وتصعيدهم عبر استهداف الأراضي الإسرائيلية بصواريخ بالستية، تتزايد المخاوف من توسع رقعة الحرب إقليميا ودخول أطراف جديدة فيها، لا سيما في حال إغلاق باب المندب، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وعسكرية خطيرة.
وفي ظل هذا التصعيد، تبرز تساؤلات ملحة حول مسار التطورات الميدانية، واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع، وانعكاسات ذلك على لبنان الذي يرزح أساسا تحت وطأة حرب مفتوحة مع إسرائيل.
في هذا الإطار، حذرت رئيسة مؤسسة بيروت الإِعلامية راغدة درغام من تصاعد المخاطر الإقليمية وانعكاساتها الخطيرة على لبنان، معتبرة أن جماعة الحوثي شكلت لسنوات "ورقة" في يد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ادّخروها لاستخدامها في توقيت استراتيجي محدد، مشيرة إلى أن هذا التوقيت يبدو أنه قد حان بالفعل.
وأوضحت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن ما تقوم به طهران اليوم من توسيع نطاق استخدام هذه الورقة، عسكريا واستراتيجيا، يدل على أن الاستعدادات لم تعد محصورة في نطاق مضيق هرمز، بل تتجه لتشمل باب المندب، في سياق ما وصفته بـ "الحرب الاقتصادية الكبرى" التي تخوضها إيران عبر وكلائها، وعلى رأسهم الحوثيون في اليمن.
وقالت درغام إنّ هذه الحرب لا تنفصل عن المواجهة الإقليمية الأوسع بين إيران وإسرائيل، والتي تتخذ من الساحة اللبنانية محطة أساسية، عبر ما يقوم به "الحرس الثوري" الإيراني بالتعاون مع "حزب الله"، في إدارة عمليات عسكرية ضد إسرائيل رغما عن الدولة اللبنانية والشعب اللبناني، معتبرة أنّ هذا الواقع يفتح الباب أمام ردود فعل إسرائيلية انتقامية، قد تكون أكثر حدة، في ظل سعي إسرائيل لتحقيق أهداف ميدانية قد تصل إلى احتلال أراض لبنانية.
وتساءلت عن الجهة التي يمكن أن تتصدى لمثل هذا السيناريو في حال وقوعه، محذرة من أن الوقت قد يفوت قبل أن تتمكن أي جهة من التدخل الفعال. وأشارت إلى أن الأزمة الأساسية تكمن في حالة التخبط التي تعيشها الدولة اللبنانية، على مستوى الحكومة والقيادات السياسية، معتبرة أن هذا التخبط يعكس عجزا خطيرا عن مواجهة التحديات.
وأكدت درغام أنّ لبنان يدفع ثمنا مزدوجا، يتمثل في كلفة أي احتلال إسرائيلي محتمل، إلى جانب كلفة استخدامه كساحة صراع من قبل إيران لخدمة مصالحها الإقليمية، معتبرة أنّ اللبنانيين أصبحوا "ضحايا الجميع"، سواء نتيجة السياسات الإسرائيلية أو الإيرانية، في ظل صراع بين عقيدتين متطرفتين، إحداهما إسرائيلية والأخرى إيرانية.
وانتقدت غياب الدور الفاعل للدولة اللبنانية وقياداتها، معتبرة أن الامتناع عن تحمل المسؤوليات الوطنية الأساسية ساهم في تفاقم الأزمة. وحذرت من أن لبنان يواجه خطرا داهما، مشددة على أن أي احتلال إسرائيلي سيكون كارثة، وأن المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة، لن يتدخل لإنهائه ما لم تقم الدولة اللبنانية بواجباتها.
كما أشارت درغام إلى أن دول الخليج، على الرغم من مخاوفها المشروعة على أمنها، تعمل على تنسيق مواقفها وتحركاتها مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، إضافة إلى الأردن ومصر، في إطار محاولة احتواء التصعيد. وفي المقابل، طرحت تساؤلات حادة حول غياب لبنان عن هذا المشهد، قائلة: "أين لبنان؟ أين الدولة؟".
وانتقدت الخطاب الداخلي الذي يركز على التذمر والخوف من الانقسام، بدلًا من اتخاذ خطوات عملية لحماية البلاد، مشددة على ضرورة انتشار الجيش اللبناني لحماية المدنيين حيثما أمكن، حتى وإن لم يكن مكلفا حاليا بمهمة نزع سلاح "حزب الله".
وفي ما يتعلق بالتطورات الإقليمية، دعت درغام إلى عدم الانشغال المفرط بملف باب المندب بحد ذاته، باعتباره جزءا من المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة، سواء في بعدها العسكري أو التفاوضي، مؤكدة أن الأولوية يجب أن تكون لفهم كيفية استخدام لبنان كورقة في هذا الصراع.
ورأت أن ما يحصل حاليا يعكس نوعا من التقاطع أو إعادة التموضع بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أن إسرائيل، على الرغم من دورها، تبقى جزءا من مشهد أوسع، حيث تتمثل "حربها الكبرى" في الساحة اللبنانية.
وأكدت درغام أن لبنان يقف اليوم في قلب صراع إقليمي معقد، بين محاور عدة، وهو في قلب حرب "إسرائيل الكبرى"، في ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة، محذرة من أن البلاد باتت عالقة بين "فكي كماشة" إيرانية - إسرائيلية وأمريكية - إيرانية، في وقت تعاني فيه الدولة من شلل شبه كامل، ما يفاقم من حجم المخاطر الوجودية التي تواجهها.