منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، وكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، تصاعدت حدة التوترات الإقليمية بشكل غير مسبوق، حيث نالت دول الخليج العربي نصيبًا كبيرًا من الاستهدافات الإيرانية، بذريعة ضرب القواعد والمقرات والشركات الأميركية على أراضيها. وقد جاءت هذه الاعتداءات على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها دول الخليج قبل اندلاع النزاع لتجنيب المنطقة ويلات التصعيد.
وأثارت تلك التطورات موجة واسعة من الإدانات العربية والدولية، كان أبرزها موقف جمهورية مصر العربية الرافض للمساس بأمن وسيادة دول الخليج.
وفي المقابل، برزت أصوات مصرية أو تنسب لها، سواء عبر بعض المنصات الإعلامية أو على وسائل التواصل الاجتماعي، أبدت تأييدًا واضحًا للضربات الإيرانية، وذهبت إلى تصويرها باعتبارها ردا مشروعا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، متجاهلة في الوقت ذاته تداعياتها المباشرة على أمن واستقرار دول الخليج العربي.
ولم يقتصر هذا الخطاب على التبرير، بل امتد في بعض الأحيان إلى الاحتفاء بتلك الضربات، في غياب أي تعبير مواز عن التضامن مع الدول المتضررة. وهو ما يطرح تساؤلات ملحة حول الخلفيات الفكرية والسياسية والإعلامية التي تسهم في تشكيل هذا الموقف، وما الذي يدفع بعضًا من الشارع المصري إلى تبني مثل هذا الطرح في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي الراهن؟
في سياق تحليل المشهد الراهن في مصر، أوضح الكاتب والباحث المصري المتخصص في الدراسات الآفرو آسيوية مصطفى زهران أن جماعة الإخوان المسلمين عملت على توظيف الحدث القائم، والمتمثل في الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران وما تبعه من تداعيات، خصوصًا ما يتعلق باستهداف دول الخليج، وذلك لخدمة أجندتها الخاصة.
وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذا التوظيف يأتي في إطار سعي الجماعة إلى تحقيق هدفين رئيسيين: أولهما مواجهة الأنظمة السياسية التي تعاديها، وثانيهما محاولة العودة إلى المشهد العام واستعادة حضورها. وقال إِنّ الجماعة فقدت في خلال السنوات الأخيرة حاضنتها المجتمعية والشعبية نتيجة تعثراتها السياسية وضيق أفقها، إلى جانب تغليبها للمصالح النخبوية، وهو ما دفعها إلى استثمار التطورات الحالية كفرصة لإعادة تموضعها ومواجهة خصومها التقليديين. ولفت إلى أن الجماعة رأت في هذا المشهد فرصة ثانية لإعادة طرح نفسها من جديد.
وفي هذا الإطار، اعتبر زهران أنه من اللافت تموضع الإخوان المسلمين إلى جانب إيران في مواجهة الأنظمة الخليجية والعربية، على الرغم مِنَ التباينات الأيديولوجية، متسائلًا حول مدى صحة الادعاءات التي تروج لدعم الشارع العربي، والمصري تحديدًا، لإيران. وأكد أنّ هذا الطرح غير دقيق.
وأوضح أن الأذرع الإعلامية المرتبطة بالجماعة، سواء على مستوى التنظيم الدولي أو الكيانات الرديفة أو الأفراد المتعاونين، تمكنت من تقديم صورة مضللة، خصوصًا داخل مصر، توحي بأن هناك دعما شعبيا لإيران، وهو ما نفاه بشكل قاطع. كما أشار إلى أن هذه الأدوات الإعلامية مارست النهج ذاته في مناطق أخرى، مثل جنوب شرق آسيا، وتحديدًا في إندونيسيا وماليزيا.
وبيّن زهران أن الإعلام المرتبط بالإخوان نجح في تقديم إيران بوصفها الطرف الوحيد الذي يقود ما يسمى بـ "المقاومة" في مواجهة إسرائيل، بل وتجاوز ذلك إلى الترويج لسرديات مفادها بأن سقوط إيران يعني سقوط المقاومة، وانتصار إسرائيل والولايات المتحدة، بل وتهديد دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
وأكد أن هذه السرديات، التي خرجت من الآلة الإعلامية الإخوانية، أسهمت في إحداث حالة من الإرتباك لدى المتلقي في فهم تعاطي الأنظمة السياسية في المنطقة العربية مع الحدث، مشيرًا إلى ما وصفه بحالة "التشفي" التي رافقت استهداف بعض دول الخليج.
وفي تطور أكثر خطورة، أوضح زهران أن خطاب الإخوان بدأ يتجه نحو توظيف مسألة القواعد الأميركية كمدخل لبناء سردية جديدة تقترب من الطروحات الجهادية المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، وهو ما يمثل تهديدًا بالغ الخطورة، إذ يفتح الباب أمام تبرير استهداف دول الخليج.
وأشار إلى أن هذا الخطاب يوفر غطاء سياسيا وشرعنة أيديولوجية وعقدية لإيران في حال استهدافها لدول الخليج، من خلال وضع هذه الدول في موضع واحد مع إسرائيل، وهو ما يحمل تداعيات خطيرة على مستقبل المنطقة.
وختم زهران تحليله بالتنبيه إلى أن هذه السرديات ليست بعيدة عن الخطاب الذي تبناه تنظيم القاعدة في السابق، خُصوصًا فيما يتعلق بشعار استهداف القواعد الأميركية وإخراج القوات الأجنبية من جزيرة العرب، متسائلا عن مدى الاختلاف بين هذا الخطاب وما تروج له جماعة إخوان المسلمين في الوقت الراهن. كما أعرب عن استغرابه من قيام بعض القنوات الإعلامية الكبرى، من دون تسميتها، بالترويج لهذه السرديات.