في ظل الحرب الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر مراحلها، حيث باتت المواجهة العسكرية مفتوحة على احتمالات واسعة.
ومع اتساع رقعة الضربات والتصعيد العسكري، دخل لبنان في قلب هذه المعركة، التي تشهد منذ أكثر من أسبوع مواجهات عنيفة بين حزب الله وإسرائيل، في وقت تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية التي تطال مناطق لبنانية عِدَّة.
وأمام هذا الواقع الميداني المتفجر، تبرز تساؤلات كبرى حول مسار هذه الحرب وإلى أين يمكن أن تتجه في المرحلة المقبلة وما إذا كانت ستبقى ضمن هذا الإطار أم أنها مرشحة للتوسع أكثر، مع احتمال انضمام أطراف ودول جديدة إلى الصراع.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة بأسرها أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم التوازنات السياسية والعسكرية فيها.
في هذا الإطار، أكَّدَت الصحافية سلمى الحاج أَنَّ المشهد الإقليمي لا يزَال شديد الضبابية وأن الاحتمالات مفتوحة على مزيد من التصعيد في المرحلة المقبلة.
وأوضحت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن مسار هذه الحرب يصعب استشرافه في الوقت الراهن، إلا أن المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن الأمور تتجه نحو التصعيد، مُشيرَةً إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن الحروب قد تندلع أحيانًا في لحظات تبدو فيها المفاوضات في أوج تقدمها. ولفتت إلى أن التناقض بين الشروط والشروط المضادة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقوى كبرى، قد يؤدي في النهاية إلى الانزلاق نحو المواجهة العسكرية عندما تفشل الحلول الدبلوماسية.
ورأت الحاج أن إيران ليست دولة عادية في المعادلة الإقليمية، بل دولة ذات تاريخ إمبراطوري ومشروع استراتيجي كبير، من ضمنه المشروع النووي، إضافة إلى نفوذها الممتد في عدد من ساحات المنطقة، مُعتَبِرَةً أن أحد أبرز الشروط المطروحة دوليًا يتعلق بتقليص نفوذ إيران الإقليمي والحد من قدراتها الصاروخية والنووية، وهي شروط ترى طهران أن تنفيذها بالكامل سيؤدي إلى إضعافها بشكل جذري، الأمر الذي يجعل قبولها بهذه الشروط أمرًا بالغ الصعوبة.
وأشارت إلى أن الأسبوع الأول من الحرب شهد صدمات كبيرة وتحركات عسكرية بدت في بدايتها وكأنها تميل لصالح المحور الأميركي الإسرائيلي، غير أن التطورات اللاحقة أظهرت معطيات مختلفة.
ولفتت الحاج إلى أن إيران ردت على الضربات التي تعرضت لها عبر استهداف مواقع مرتبطة بالقواعد الأميركية الموجودة في بعض الدول العربية، وهو ما فتح بابين من التفسير السياسي والعسكري.
التفسير الأول، بحسب الحاج، يفيد بأن إيران قد تكون أخطأت في تقديرها عندما استهدفت مواقع داخل دول عربية، لأن ذلك قد يتيح للولايات المتحدة وإسرائيل حشد هذه الدول ضدها، واعتبار ما حَصَلَ اعتداءً على سيادة تلك الدول، الأمر الذي قد يؤدي إلى توسيع الحرب وتحويلها إلى صراع إقليمي ودولي أوسع، على غرار ما حدث إبان غزو العراق للكويت.
أما التفسير الثاني فيرى أن إيران تعمدت هذه الخطوة لإظهار عجز الولايات المتحدة عن حماية القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة، على الرَّغمِ مِنَ الأموال الضخمة التي أنفقتها الدول المضيفة عليها، وهو ما قد يمنح طهران نقطة سياسية ومعنوية في الصراع.
وفي السياق العسكري، أشارت الحاج إلى أن إيران اعتمدت أسلوب التمويه والاستنزاف، عبر استخدام أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة، بعضها حقيقي وبعضها الآخر وهمي، ما أدى إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين أن كلفة هذه المسيّرات تبقى أقل بكثير من كلفة الأنظمة الدفاعية المتقدمة.
واعتبرت أن المستفيد الأكبر من تأجيج التوترات الطائفية في المنطقة قد يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مُحَذِّرةً من مخاطر تحول الصراع إلى فتنة سنية شيعية واسعة النطاق. كما لفتت إلى أن الولايات المتحدة نفسها تعيش انقسامًا داخليًا حول الانخراط في الحرب، خصوصًا داخل القاعدة السياسية الداعمة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يجعل القرار الأميركي أكثر تعقيدًا.
وقالت الحاج إِنَّ بعض التحليلات تذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن ما يحصل في المنطقة هو في جوهره صراع دولي بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، حيث لا ترغب هذه القوى في امتلاك إيران للسلاح النووي، لكنها، في الوقت نفسه، لا تريد سقوط النظام الإيراني لما قد يسببه ذلك من فوضى إقليمية واسعة.
وعن لبنان، حذرت من أن الساحة الداخلية تشهد توترًا متصاعدًا وانقسامات حادة على المستويات السياسية والطائفية، ما يجعل البلاد عرضة لأي اهتزاز أمني أو سياسي في حال توسعت الحرب في المنطقة، مُتحدِّثَةً عَن وجود مخاوف من تحركات على الحدود الشرقية والشمالية، إضافة إلى احتمالات عودة نشاط بعض الجماعات المتطرفة، في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها اللبنانيون.
وأكدت أَن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الصراعات الإقليمية والدولية، فيما تبقى السيناريوهات مفتوحة بين التصعيد الواسع أو الدخول في مرحلة طويلة من الاستنزاف والفوضى السياسية.