تتدحرج المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، بسرعة غير مسبوقة، بعد ضربات وُصفت بأنها الأعنف منذ سنوات، استهدفت مواقع حساسة داخل إيران، بينها مقرات عسكرية ومراكز قيادية. عنصر المفاجأة هذه المرة كان واضحًا، وكذلك مستوى الأهداف التي طاولتها الضربات، ما يعكس قرارًا كبيرًا يتجاوز حدود الرسائل العسكرية التقليدية.
التصعيد لم يقتصر على الداخل الإيراني، إذ رفعت إسرائيل جهوزيتها على الحدود اللبنانية، وسط ترقّب لأي ردّ محتمل من طهران أو من حلفائها في المنطقة. وفي موازاة ذلك، تتكاثر المؤشرات على تنسيق أميركي–إسرائيلي واسع، فيما تراقب موسكو وبكين المشهد بدقة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
فهل نحن أمام عملية عسكرية محدودة بأهداف واضحة، أم أن المنطقة دخلت فعليًا مرحلة حرب مفتوحة قد تحمل في طياتها محاولة لإسقاط النظام الإيراني وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط؟
في هذا السياق، رأى الصحافي وجدي العريضي أن الضربات التي تتعرض لها إيران لا يمكن التعامل معها كحدث عابر أو محدود، معتبرًا أن طبيعتها ستتحدد وفق مجريات العمليات الميدانية.
وأشار، عبر منصّة "بالعربي"، إلى أن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها من خلال عنصر المفاجأة والاستهداف المباشر لمنازل قيادية، بينها منزل مرشد الثورة والرئيس الإيراني، ما يدل على وجود قرار أميركي–إسرائيلي كبير باستهداف كبار القادة وكل المواقع العسكرية التابعة للحرس الثوري وسواها.
وأكد العريضي أن الحرب قد تطول، مستبعدًا أن تكون محدودة بأيام قليلة، مشددًا على أن مسارها النهائي يبقى رهن تطورات الميدان والتنسيق القائم بين واشنطن وتل أبيب.
أما على الجبهة اللبنانية، فاعتبر أن تعزيز إسرائيل لوحداتها على الحدود أمر طبيعي في ظل مخاوفها من أي تحرك محتمل من قبل حزب الله أو فصائل فلسطينية كحماس أو الجهاد الإسلامي. وأشار إلى أن التهديدات الإسرائيلية يومية، وكذلك الغارات على البقاع والجنوب، وقد تفاقمت في الأيام الأخيرة، لافتًا إلى أن إسرائيل وضعت كل الاحتمالات في الحسبان، متوقعة إمكانية حصول عمليات إلهاء، لكنها في المقابل جاهزة لرد «مزلزل» شبيه بما جرى في غزة.
وفي ما يتعلق بإمكانية تدخل حزب الله، استبعد العريضي أن يكون الحزب قادرًا على الانخراط في مواجهة مباشرة، مشيرًا إلى أن "اللعبة تبقى مفتوحة" بين لبنان وإسرائيل في الساعات المقبلة.
وعن الرد الإيراني، اعتبر العريضي أنه محسوم من حيث المبدأ، فإيران دولة إقليمية كبرى تمتلك شبكة صاروخية متطورة، وقد سبق أن استهدفت العمق الإسرائيلي. وأفاد بأن شكل الرد وحجمه سيعتمدان على طبيعة العمليات التي تنفذها إسرائيل وواشنطن، لا سيما أن الضربات الأولى وُصفت بالساحقة وهدفت إلى شلّ القدرات العسكرية الإيرانية.
وفي ما يخص قواعد الاشتباك والدور الدولي، رأى العريضي أن تواصلًا حصل بين الأميركيين والروس وربما الصينيين، معتبرًا أن مثل هذه المقاربات تُحضَّر عادة قبل أي عمل عسكري واسع. وبرأيه، فإن القرار قد يكون اتُّخذ والجميع في الأجواء، ما يعني أن القوى الكبرى والإقليمية، من دول الخليج إلى مصر وتركيا، تدرك حجم ما يجري وخلفياته، موضحًا أن المسألة الجوهرية تبقى في ما إذا كان هناك توجه أميركي–إسرائيلي فعلي يتجاوز حدود الضربات العسكرية ليصل إلى حد السعي لإسقاط النظام الإيراني.
وفي قراءة للسيناريوهات المحتملة، أوضح العريضي أن الاحتمالات متعددة، وأحلاها مُرّ، ومنها: استهداف البرنامج النووي، ضرب الصواريخ الباليستية، إسقاط النظام، أو محاولة «تدجين» إيران وقطع أذرعها في المنطقة. وشدد على أن الكلمة الفصل تبقى للميدان، وأن حجم التطورات قد يفوق بأشواط ما شهدته الحرب الأخيرة، خصوصًا في ظل المؤشرات التي حملتها الضربات الأولى حول وجود قرار كبير بأهداف تتجاوز الحسابات التقليدية.