في ظل الحشود العسكرية الأمريكية الكبيرة المنتشرة في الخليج وقرب السواحل الإيرانية، يبرز تساؤل ملح حول وجهة الأمور في إيران في المرحلة الراهنة.
يأتي هذا التوتر العسكري بالتزامن مع انهيار حاد في سعر الريال الإيراني، حيث شهد أَمس تراجعًا إضافيًا كبيرًا في قيمته، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية على النظام. وفي الوقت نفسه، أوردت مجلة تايم الأميركية أن عدد قتلى الاحتجاجات في إيران تجاوز الثلاثين ألفًا، مما يعكس حجم الأزمة الداخلية التي تواجهها البلاد. على صعيد آخر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران ترغب بالدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق، في خطوة قد تشكل محاولة لاحتواء التوترات وفتح مسار دبلوماسي وسط هذه الأوضاع المتشابكة.
في قراءة لمجريات الوضع في إيران، قال الكاتب والناشط السياسي الإيراني يوسف عزيزي إِنَّ الولايات المتحدة الأَمريكية لا تتجه نحو شَنِّ حرب واسعة على إيران على غرار ما فعلته في أفغانستان والعراق، معتبرًا أَنَّ الحشود العسكرية الأَمريكية الراهنة تهدف بالدرجة الأُولى إلى مُحَاصَرَةِ إِيران والضغط على قيادتها مِن أَجلِ انتزاع تنازلات سياسية واستراتيجية، وليس الدخول في مواجهة عسكرية شاملة.
وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ هذا الحشد العسكري يشكل رسالة تهديد مدروسة تمنح القيادة الإيرانية فرصة لإِعادة التفكير في سياساتها، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الأَمريكية في الخليج، المحيط الهندي ومحيط إيران الإِقليمي.
ورَأى عزيزي أَنَّ الولايات المتحدة تسعى إلى تخويف النِّظام الإِيراني ودفعه إلى مراجعة مواقفه من دون الانجرار إلى حرب مباشرة، مع ترك الباب مفتوحًا أَمامَ تَرَاجُعٍ إِيراني جزئي في عدد من الملفات الأَسَاسِيَّة.
وبحسب عزيزي، فَقَد يَلجَأ النظام الإِيرانِيّ تحت وطاة هذه الضغوط إلى تقديم تنازلات في 3 مجالات رئيسية، أولها البرنامج النووي لا سيما تخصيب اليورانيوم، ثانيها البرنامج الصاروخي وثالثها دعم الميليشيات التابعة له في دول المنطقة. لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أَنَّ أَي تراجع محتمل لا يعني أَنَّ خطر المواجهة قد زال كليًا، بل هو محاولة من طهران لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها.
وفي ما يتعلق بالوضع الاقتصادي، وأَشَارَ إلى أَنَّ الريال الإِيراني شهد في الأَيَّام الأَخِيرَة انهِيَارًا إِضَافِيًّا وكَبِيرًا، مُعتَبِرًا أَنَّ ذلك نتيجة مباشرة للحصار الاقتصادي المشدد والحشود العسكرية الأَمريكية التي أَثرت بشكل واضح على السوق الإِيراني. وأَكَّدَ أَنَّ أَزمَة الاقتصادية مُرَشَّحَة للتفاقم في ظل غياب أَي حلول حقيقية لدى النظام، لافِتًا إلى أَنَّ السلطة لا تمتلك بَرنَامَجًا اقتِصَادِيًّا بَدِيلًا، بل تعتمد على أَساليب قمعية وعنيفة لمواجهة الاحتجاجات الداخلية.
وأَوضَحَ عزيزي أَنَّ الأَرقَام المتداولة عن حجم العنف الداخلي تعكس خطورة الوضع، مُشيرًا إلى أَنَّ يومين فقط شَهِدَا سقوط الاف الضحايا، بحسب تقديرات تتراوح بين 5 الاف وستة و30 أَلفًا، ما يدل على أَنَّ النظام يَلجَأ إلى القوة المفرطة كخيار أَساسي للبقاء، في ظل انسداد الأُفُق السياسي والاقتصادي.
وحول تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن طلب إيراني للتفاوض، رَأى أَنَّ هذا الأَمر لا يعكس تَرَاجُعًا حَقِيقِيًّا من جانب النِّظَامِ الإِيراني، بل هو جزء من تكتيك يهدف إلى شراء الوقت.
واعتبر عزيزي أَنَّ طهران قد توافق على التفاوض بشأن ملفها النووي فقط، لكنها سترفض الخوض في ملفها الصاروخي الذي تعتبره خطًا أحمر وضمانة أساسية لحماية النظام من التهديدات الخارجية.
كما استبعد أن يُقَدِّم النظام الإِيراني تنازلات جدية تتعلق بأَذرعه الإقليمية أَو دعمه للميليشيات، مُرَجِّحًا أَن يكتفي بخطوات شكلية أَو مُوقَّتَة لا تغير من جوهر سياسته.
وأَشَارَ عزيزي إلى أَنَّ الحصار المفروض على إيران بات شبه مطبق، حتى وإِن كانت الولايات المتحدة لا تخطط لانزال قوات برية على الأَراضي الإِيرانية.
وأَوضَحَ أَنَّ واشنطن تمتلك خيارات أُخرى للضغط، من بينها استهداف مواقع استراتيجية حساسة مثل جزيرة خرج في الخليج، وهي من المراكز الرئيسية لتصدير النفط الايراني، ما قد يشكل ضربة موجعة للنظام.
ولَفَت عزيزي إلى أَنَّ الاستراتيجية الأَمريكية تقوم على تضييق الخناق خطوة خطوة، بالتوازي مع الرهان على ظهور أَصوات من داخل النظام نفسه، سواء من التيار الإِصلاحي أَو من شخصيات سابقة مثل محمد جواد ظريف أَو حسن روحاني، للدخول في مساومات سياسية.
وقال إِنَّ تعنت المرشد الإِيرانِيّ علي خامنئي قد يدفع الأُمُور في نهاية المطاف إلى خيارات أَكثَر حدة، مُعتَبِرًا أَنَّ شخصية خامنئي وإيديولوجيته القائمة على فكرة الصمود والمواجهة تجعله يرى في التصعيد وسيلة لِلَيّ ذراع الولايات المتحدة، حتى وإِن كان ذلك على حساب استقرار إيران ومستقبل شعبها.