في حدثٍ زلزالي هزّ أميركا اللاتينية وارتدّت أصداؤه سريعًا إلى الشرق الأوسط، حُسم المشهد في فنزويلا في خلال ساعات. تهديدات متراكمة تحوّلت إلى قرار تُرجم بإسقاط نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله مع زوجته، في خطوة أعلنت وزارة العدل الأميركية أنها ستتبعها بمحاكمة في نيويورك بتهم ثقيلة: الإرهاب وتهريب المخدرات.
ما حصل لم يكن تفصيلًا عابرًا ولا شأنًا فنزويليًا داخليًا. كان رسالة سياسية – أمنية مكتملة الأركان، أرسلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الإقليم بأكمله، مفادها بِأَنَّ زمن الرماديات انتهى وبأنَّ قرار إسقاط الأنظمة المعادية لم يعد مؤجّلًا أو محكومًا بالتوازنات التقليدية.
على مدى سنوات، اعتاد العالم أن يرى واشنطن تلوّح بالعقوبات، تحاصر اقتصاديًا، وتنتظر الانهيار من الداخل. لكن في فنزويلا، كُسر هذا النمط. لم يعد الضغط تدريجيًا ولا طويل النفس، بل ضربة مباشرة أنهت النظام ووضعت رأسه في قفص الاتهام داخل الولايات المتحدة.
بهذا المعنى، لم يكن اعتقال مادورو مجرد تنفيذ قضائي، بل تحوّلًا في العقيدة السياسية الأميركية: من إدارة الخصوم إلى إنهائهم.
أراد ترامب أن يقول بوضوح: الملفات الإقليمية لم تعد موزّعة بين العواصم، ولا تُدار عبر الوسطاء. القرار اليوم أميركي، وتوقيعه في البيت الأبيض. المنطقة التي طالما تمدّدت فيها إيران عبر الحلفاء والأذرع باتت أمام واقع جديد: النفوذ ليس قدرًا دائمًا، والأنظمة ليست محصّنة.
رفع ترامب منذ عودته شعار "السلام في المنطقة"، لكن السلام بنسخته لا يعني التعايش مع أنظمة يراها معرقلة لمشروعه. من وجهة نظره، السلام يمرّ عبر كسر العُقد: إسقاط أنظمة، تفكيك شبكات وفرض وقائع جديدة، لا عبر تسويات طويلة تُفرغ الزمن من مضمونه.
لم يكن اختيار فنزويلا بريئًا. فإلى جانب بعدها الرمزي في أميركا اللاتينية، تمثّل كاراكاس حليفًا تقليديًا لكل من كوبا وطهران. إسقاطها هو إنذار مباشر لحلفائها: الحماية السياسية لا تعني الحصانة.
وفي هذا السياق، جاءت تغريدة زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد لتكثّف الرسالة حين قال: "يجب على النظام في إيران أن يولي اهتمامًا بالغًا لما يحدث في فنزويلا".
كلمات قصيرة، لكنها تحمل تهديدًا سياسيًا واضحًا: ما حصل هناك… قابل للتكرار هنا.
توقيت الحدث بالغ الدلالة. فإيران تشهد احتجاجات مطلبية تحوّلت تدريجيًا إلى سياسية، وتتوسّع يومًا بعد يوم. الاقتصاد يترنّح، الشارع يغلي والشرعية تتآكل. في هذا المشهد، يبدو إسقاط مادورو كأنه بروفة إقليمية أو رسالة اختبار: هل الأنظمة التي تواجه غضب الشارع قادرة على الصمود إذا رُفع الغطاء الدولي؟
ما حصل في فنزويلا لا يمكن عزله عن السياق الأوسع: تغيّر قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، تراجع هامش المناورة لدى حلفاء طهران وإدارة أميركية تتقدّم بلا مواربة نحو إعادة رسم الخريطة السياسية.
الرسالة واضحة: المرحلة المقبلة ليست مرحلة احتواء، بل مرحلة حسم.
إسقاط مادورو لم يكن نهاية قصة فنزويلية، بل بداية فصل إقليمي جديد. فصل تُراقَب فيه طهران عن كثب، تُقرأ فيه الاحتجاجات بعيون دولية مختلفة وتُفهم فيه تهديدات ترامب على أنها قرارات مؤجّلة التنفيذ، لا خطابات.