January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

سوريا إلى أين؟ قراءة في الاحتجاجات والتحديات الأمنية المتسارعة

أثارت موجة الاحتجاجات التي شهدتها مناطق الساحل السوري عددًا من التساؤلات حول دوافعها ومن يقف خلفها، لا سيما في ظل التوقيت الحساس الذي تزامن مع حادثة تفجير جامع الإمام علي في حمص، والذي أضاف بعدًا طائفيًا وأمنيًا معقدًا للأوضاع في البلاد.

ومع ذلك، لم تتوقف التحديات عند هذا الحد، بل شهدت سوريا أيضًا ظهورًا مفاجئًا لتنظيم "داعش"، ما أعاد ملف الإرهاب والتطرف إلى واجهة الأحداث.

في الوقت نفسه، تواجه سوريا الجديدة أزمات عِدَّة تمتد من نفوذ "قسد" في الشمال الشرقي إلى أنشطة الهجري في السويداء، مما يطرح تساؤلات مهمة حول قدرة الدولة السورية الجديدة على التعامل مع هذه التحديات مُتعددة الأطراف وإمكاننِ حماية وحدة البلاد واستقرارها في ظل الضغوط الداخلية والخارجية.

في هذا السياق، قدم الإعلامي السوري مصطفى الأبوحسنة قراءة تحليلية معمقة لهذه الأحداث، موضحًا أَنَّ الاحتجاجات الأَخِيرَة لم تكن عفوية، بل كانت مدفوعة بتنسيق واضح من الشيخ غزال غزال، وهو أحد أتباع النظام السابق، وقد بدأ نشاطه بعد سقوط ذلك النظام.

 

وأَكَّد عبر مِنصّة "بالعربي أن توقيت الاحتجاجات ليس عَشوائِيًّا، بل جاء متزامِنًا مع أحداث معينة مثل حادثة تفجير جامع في حمص، التي اعتبرها مفتعلة بشكل واضح.

 

وشدد الأبوحسنة على أن "قسد" تمثل أحد المحركات الأساسية للأحداث الأمنية في سوريا حاليًا، مشيرًا إلى دورها في إعادة تنشيط خلايا داعش واستخدام الملف الأمني كورقة ضغط سياسية على الدولة السورية.

 

وأَوضَحَ أَنَّ الأحداث مرتبطة بعضها ببعض وأنها تهدف إلى خلق توتر أمني مستمر في البلاد، الفِتًا إلى أَنَّ ما يحدث يأتي في سياق محاولات لإعادة تنشيط تنظيمات متطرفة واستغلال الظروف الأمنية لإثارة الفوضى، بما في ذلك إطلاق النار على سيارات الأمن في المعرة قبل أيام من تفجير جامع حمص.

 

وذكر الأبوحسنة أن التفجير استهدف جَامِعًا تَابِعًا للطائفة العلوية وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى من العلويين والسُنّة، وهو ما يعكس محاولة لخلق توترات طائفية.

 

وَقَالَ إِنَّ الجهات التي تبنت التفجير وادعت انتماءها لجماعة "أنصار السنة"، ظهرت بعد تحرير بعض المناطق وأن بياناتها كانت واضحة في جهلها بأسلوب الجماعات المتطرفة، سواء في صياغة البيانات أو استخدام اللغة واللهجات المناسبة.

 

وأكد الأبوحسنة أن غزال غزال دعا مباشرة بعد التفجير إلى مظاهرات واسعة، مطالِبًا بالفيدرالية واللامركزية، في محاولة لاستغلال الوضع لصالح أجندة خارجية. وقِال: الدولة السورية كانت على وعي بهذه التحركات وأرسلت عناصر الأمن العام لتنظيم المظاهرات ومراقبتها، مع مراعاة تفادي اندلاع صدامات مع المواطنين، نظرًا للغضب الشعبي المتراكم على مدار عقود.

 

وأوضح أن دور الدولة كان يعتمد على الصبر ومحاولة احتواء الموقف، مع إدراك الأبعاد الدولية للأحداث، بما في ذلك محاولة إسرائيل استغلال هذه الملفات كورقة ضغط على الحكومة السورية.

 

وفيما يتعلق بإعادة تنشيط تنظيم داعش، أكد الأبوحسنة أن هذه العمليات لم تكن بريئة وأن سجون قسد تحتوي على قيادات التنظيم، وقد استغلت هذه المواقع كورقة لتصعيد الأحداث الأمنية وربطها بالحكومة السورية، بما في ذلك استهداف اجتماع ضم وفد عسكري أميركي بهدف خلق ردود فعل ضد الحكومة، مُشيرًا إلى أَنَّ الهَدَف مِن ذلك هو وضع الحكومة في موقف حرج دَولِيًّا ومَحَلِيًّا.

 

ورَأَى أَنَّ الحكومة السورية اتبعت سياسة احتواء الأزمات وإطفاء الحرائق موقَّتًا، مع السعي للتفاهم مع الفاعلين المحليين لتجنب التصعيد، مُؤكِّدًا أَنَّ الدولة السورية تتمتع بقوة مركزية واضحة، مع مراعاة تمثيل مكونات الشعب السوري، لكنها ترفض تمامًا الديمقراطية التوافقية على النمط اللبناني أو العراقي، أو تقاسم الحكم بما يهدد وحدة الدولة. وأشار إلى أن القوة الأكبر للحكومة تكمن في الالتفاف الشعبي الذي يمثل حاضنة حقيقية للدولة في مواجهة محاولات التقسيم والفدرالية، مُشَدِّدًا على أَنَّ الفيدرالية في السياق السوري تعني عَمَلِيًّا تَقسيمًا غير مقبول، نظرًا لتنوع المكونات وعدم التجانس الجغرافي والسياسي.

 

وأَشَارَ الأبوحسنة، في خِتَامِ تَحليلِه، إلى أَنَّ موضوع اللامركزية الإدارية مقبول في بعض السياقات لتسهيل الإدارة، إلا أن أي شكل من اللامركزية السياسية أو العسكرية يعتبر محاولة لتقسيم الدولة، وهو أمر مرفوض جُملَةً وتَفيصيلًا. وأكد أن التفاهم مع الأطراف المحلية واحتواء الأزمات سيظل الحل الفاعل لتجاوز هذه المرحلة، مُؤكِّدًا أَنَّ الأمور تحت السيطرة وأن الدولة السورية قادرة على تجاوز كل التحديات، بمساندة الشعب ووحدة الموقف الوطني.

سوريا إلى أين؟ قراءة في الاحتجاجات والتحديات الأمنية المتسارعة
سوريا إلى أين؟ قراءة في الاحتجاجات والتحديات الأمنية المتسارعة - 1