منذ إعلان المملكة العربية السعودية توجهها نحو بناء برنامج نووي سلمي، تجاوز المشروع فكرة تأمين مصدر إضافي للطاقة، ليصبح مرتبطا بمسار أوسع تسعى من خلاله الرياض إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتوطين التقنيات المتقدمة، وتعزيز قدراتها في مجالات الصناعة والبحث العلمي ضمن مستهدفات رؤية 2030.
فالبرنامج السعودي لا يرتبط فقط بإنشاء مفاعلات نووية، بل يطرح مسارا لبناء منظومة متكاملة تشمل تطوير الكفاءات الوطنية، ونقل التكنولوجيا، وفتح مجالات جديدة للاستثمار والصناعات المرتبطة بالطاقة النووية. ومع موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اتفاق التعاون النووي مع المملكة، تبرز تساؤلات حول أهمية هذا المشروع، وما الذي يمكن أن تصل إليه السعودية من خلاله، والأهداف التي تقف خلف الانخراط الأميركي في هذا المسار.
في هذا الإطار، أكد المستشار والأكاديمي الدكتور نايف خالد الوقاع أن البرنامج النووي السعودي لا ينبغي النظر إليه بوصفه مشروعا لإنتاج الطاقة فقط، بل باعتباره جزءا من تحول إستراتيجي شامل تقوده المملكة في إطار رؤية السعودية 2030، مشيرا إلى أن المشروع يعكس توجها نحو بناء اقتصاد متقدم قائم على المعرفة والتقنيات الحديثة، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز أمن الطاقة، وتوطين الصناعات ذات القيمة المضافة، وبناء الكفاءات الوطنية في المجالات العلمية والتقنية المتقدمة.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن التعاون النووي مع الولايات المتحدة لا يقتصر على نقل التقنية، بل يمثل امتدادا للشراكة الإستراتيجية بين البلدين، ويفتح آفاقا أوسع للاستثمار، وتبادل الخبرات، وتطوير الصناعات المتقدمة، مشددا على أن البرنامج السعودي يقوم على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والالتزام بمعايير السلامة والأمن النووي وعدم الانتشار وفق الأطر الدولية. ولفت إلى أن أهمية المشروع تكمن في كونه استثمارا في مستقبل المملكة وليس مجرد مشروع للطاقة، لأنه يعزز الاستقلالية في قطاع الطاقة، ويدعم التنمية المستدامة، ويرسخ مكانة المملكة بوصفها دولة فاعلة في مجالات التقنية والطاقة المتقدمة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وفي ما يتعلق بأهداف المملكة من البرنامج، بيّن الوقاع أن الرياض تسعى إلى بناء قاعدة وطنية متقدمة في العلوم والتقنيات النووية السلمية، بحيث يصبح البرنامج رافدا للتنمية الشاملة، وليس مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، لافتا إلى أن الهدف الإستراتيجي يتمثل في توطين المعرفة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، ونقل التقنيات المتقدمة، وتطوير منظومة صناعية قادرة على المنافسة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وأشار إلى أن البرنامج يفتح المجال أمام توطين الصناعات النووية والهندسية الدقيقة، وتطوير البحث العلمي والابتكار، وتعزيز قدرات الجامعات والمراكز البحثية، وبناء خبرات وطنية في مجالات الطاقة والمواد المتقدمة والتطبيقات الصناعية المرتبطة بالطاقة النووية، إضافة إلى تعزيز القدرات المرتبطة بالتقنيات الحديثة. أما اقتصاديا، فأكد أن البرنامج يمكن أن يسهم في تنويع مزيج الطاقة، ورفع كفاءة استهلاك الموارد، وتعزيز المحتوى المحلي، وجذب الاستثمارات النوعية، وخلق فرص عمل عالية المهارة، بما يدعم تنافسية الاقتصاد السعودي ويعزز مكانة المملكة بوصفها مركزا إقليميا للتقنيات المتقدمة.
أما في ما يتعلق بموافقة إدارة الرئيس دونالد ترامب على التعاون النووي مع السعودية، فرأى الوقاع أن توقيت هذه الخطوة يعكس تقاطعا بين المصالح الإستراتيجية والاقتصادية للبلدين، موضحا أن الولايات المتحدة تنظر إلى المملكة باعتبارها شريكا إستراتيجيا محوريا في الشرق الأوسط، وتسعى إلى ترسيخ هذا التحالف في ظل المتغيرات الإقليمية والتنافس الدولي المتزايد في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة.
ولفت إلى أن التعاون النووي يمثل فرصة لتعزيز حضور الشركات الأميركية في سوق نووية واعدة، وخلق استثمارات وفرص عمل، والحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في تصدير التقنيات النووية المدنية، موضحا أن المملكة لم تكن تفتقر إلى البدائل، إذ تمتلك خيارات للتعاون مع قوى نووية متقدمة مثل روسيا وفرنسا والصين وكوريا الجنوبية. ولذلك، فإن الموافقة الأميركية على التعاون النووي تمثل أيضا خطوة للحفاظ على الشراكة الإستراتيجية مع الرياض، ومنع انتقال هذا القطاع الحيوي إلى منافسين دوليين، في ظل التنافس العالمي على التكنولوجيا والطاقة المتقدمة.
وعلى المستوى الإقليمي، جزم الوقاع بأن البرنامج النووي السعودي يقوم على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ويتوافق مع التزامات المملكة الدولية، ويعزز، في الوقت نفسه، مكانتها الإستراتيجية ويرفع قدراتها العلمية والتقنية والاقتصادية، ويمنحها أدوات إضافية لتعزيز أمنها الوطني واستقلالية قرارها في قطاع الطاقة والتقنيات المتقدمة، معتبرا أن استمرار الجدل حول البرنامج النووي الإيراني يجعل من تطوير المملكة لقدراتها النووية السلمية عاملا مهما في تعزيز التوازن الإستراتيجي في المنطقة. وأكد أن دول المنطقة تمتلك حق الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية وفق الأنظمة والضوابط الدولية، مشددا على أن البرنامج السعودي لا يستهدف إحداث سباق تسلح، بل يمثل عنصرا من عناصر القوة الوطنية الشاملة، التي تقوم على التكامل بين الاقتصاد، والتقنية، والبحث العلمي، وأمن الطاقة، بما يعزز مكانة المملكة كقوة إقليمية ودولية مؤثرة.
وفي ما يخص مستقبل المشروع، ذكر بأن أي مشروع نووي متقدم يواجه تحديات فنية وبشرية وتنظيمية ومالية، تتطلب استثمارات طويلة الأمد، وبناء كوادر وطنية عالية التأهيل، وتطوير البنية التحتية والبحث العلمي، إلى جانب الالتزام الصارم بمعايير السلامة والأمن النووي والأنظمة الدولية، لافتا إلى أن نقل التقنية وتوطينها يمثلان تحديا رئيسيا، لأن الدول المتقدمة تتعامل مع التقنيات النووية باعتبارها من أكثر المجالات حساسية.
وكشف الوقاع أن المملكة تمتلك مقومات النجاح، فهي تعمل وفق رؤية إستراتيجية طويلة المدى، وتستثمر في التعليم، والبحث العلمي، وتوطين التقنية، وتنمية القدرات البشرية، إضافة إلى بناء شراكات مع الدول الرائدة في المجال النووي، مؤكدا أن السعودية لا تستهدف مجرد تشغيل مفاعلات نووية، بل تسعى إلى بناء منظومة نووية وطنية متكاملة تشمل البحث العلمي، والهندسة، والتصنيع، والخدمات، وتطوير الكفاءات الوطنية، بما يعزز الاقتصاد المعرفي ويرفع المحتوى المحلي في الصناعات المتقدمة.
وشدد على أن المحافظة على الطابع السلمي للبرنامج لا تتعارض مع بناء صناعة نووية متقدمة، بل إن الالتزام بالشفافية، ومعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأنظمة الأمن والسلامة النووية، يمنح البرنامج السعودي مزيدا من الموثوقية الدولية، ويعزز فرص نجاحه بوصفه نموذجا للتنمية القائمة على التقنية والابتكار، وليس على التنافس العسكري.
في الختام، يأتي المشروع النووي السعودي كجزء من مرحلة أوسع تعمل خلالها المملكة على تطوير قدراتها في مختلف المجالات. وإذا تمكنت الرياض من إنجاح هذا المشروع ضمن الإطار السلمي، مع الالتزام بمعايير السلامة والاتفاقيات الدولية، فقد يشكل خطوة مهمة تعزز حضورها في مجالات الطاقة والتقنية، وتفتح أمامها فرصا جديدة لبناء خبرات وصناعات وطنية متقدمة.