أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس، أن مضيق هرمز سيكون مفتوحا بالكامل بحلول الجمعة 19 حزيران، في خطوة تأتي بعد الإعلان عن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يقضي بإعادة فتح الممر البحري ورفع القيود والحصار البحري عنه.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها الممرات البحرية الحيوية، يبقى مضيق هرمز واحدا من أبرز الشرايين الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي، نظرا لدوره المحوري في حركة النفط والطاقة والتجارة الدولية، وما قد يترتب على أي تغيير في وضعه من انعكاسات على أسعار الطاقة ومعدلات التضخم، إلى جانب تأثيره على الذهب بوصفه ملاذا آمنا في فترات عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، قالت الكاتبة الاقتصادية باتريسيا جلاد إن الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران أثبتت أهمية مضيق هرمز بالنسبة للاقتصاد العالمي، باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، موضحة أن المضيق يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، إضافة إلى ربع تجارة النفط البحرية يوميا، ما يجعله نقطة محورية في حركة الإمدادات والأسواق العالمية.
وقالت عبر منصة "بالعربي" إن إعادة فتح المضيق من شأنه أن يؤدي إلى مجموعة من التداعيات الاقتصادية، أبرزها انخفاض أسعار النفط والطاقة، وهو ما سجل بعد الإعلان عن اتفاق سلام مع إيران، إذ ومع عودة تدفق الإمدادات تدريجيا تراجعت أسعار النفط من مستويات تجاوزت 120 دولارا إلى حدود 80 دولارا تقريبا، رغم أن الانخفاض الكبير لا يكون فوريا بسبب اعتبارات لوجستية وتأخر الشحنات. أضافت إن من أبرز النتائج أيضا تراجع معدلات التضخم العالمي، إذ إن انخفاض أسعار النفط ينعكس مباشرة على كلفة النقل والصناعة والغذاء، ما يؤدي إلى تهدئة الضغوط التضخمية وتخفيف الأعباء عن الأسر والشركات في مختلف الدول.
وأشارت جلاد إلى أن فتح المضيق يساهم في خفض كلفة الشحن البحري، إلى جانب تراجع كلفة التأمين التي ارتفعت بشكل كبير خلال فترات التوتر، حيث وصلت أقساط التأمين على السفن إلى ما بين 1% و3% من قيمتها، وفي بعض الحالات إلى 5% أو حتى 10%، لافتة إلى أن هذا الأمر ينعكس تحسنا تدريجيا في النمو العالمي، الذي تراجع إلى ما بين 1.5% و2.5%، خصوصا في الدول المستوردة للطاقة، مع عودة الحركة التجارية إلى مستويات أكثر استقرارا.
أما على صعيد الذهب، فأوضحت أن المعدن الأصفر يعتبر ملاذا آمنا في أوقات الأزمات، إذ ترتفع أسعاره عادة عند تصاعد المخاطر مثل إغلاق مضيق هرمز، فيما يفترض أن يؤدي فتحه إلى تراجع الأسعار. إلا أن ما حصل كان مخالفا للتوقعات، حيث ارتفع الذهب بعد اتفاق فتح المضيق، نتيجة تراجع توقعات رفع الفائدة وتحسن الأسواق المالية بفعل ارتفاع الثقة وانخفاض المخاطر.
وقالت جلاد إن هذا التأثير يبقى قصير المدى، بينما قد يميل الذهب في المدى المتوسط إلى التراجع مع انخفاض التضخم واستقرار الوضع الأمني، في حين يظل مدعوما على المدى الطويل جراء شراء البنوك المركزية للمعدن الأصفر وتزايد مستويات الدين العالمي.
أما بالنسبة إلى الحلول البديلة لمضيق هرمز، فاعتبرت أنه لا يوجد مضيق يمكن أن يعوضه بشكل كامل، إلا أنه يمكن توزيع المسارات بين مضيق ملقا، وقناة السويس، ومضيق باب المندب، ورأس الرجاء الصالح، إضافة إلى مضائق إندونيسيا، لافتة إلى أنه من المفترض قبل كل شيء تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، قبل البحث عن سلاسل إمداد بديلة. وفي هذا السياق، اعتمدت السعودية على خطوط الأنابيب الممتدة إلى البحر الأحمر، فيما اعتمدت الإمارات على خط الفجيرة، ما ساهم في تقليل الاعتماد على هرمز وخلق منافذ لنقل المحروقات، على الرغم من أن قدرة هذه الخطوط تبقى محدودة.
ومع الإشارة إلى أن تجربة إقفال مضيق هرمز من شأنها أن تدفع الدول أكثر نحو سياسات التحوط، عبر زيادة المخزون النفطي الاستراتيجي، والتوجه بشكل أكبر نحو الطاقة البديلة.
وفي ضوء ذلك، يبقى اعتماد العالم على مضيق هرمز نقطة حساسة في معادلة الاقتصاد العالمي، ما يعيد طرح فكرة تطوير ممرات بحرية بديلة أو البحث عن مسارات لوجستية أخرى أكثر أمانا. ويأتي ذلك في ظل مخاوف دائمة من أي إغلاق مفاجئ قد ينعكس بسرعة على أسواق الطاقة والتجارة، ويؤدي إلى موجات جديدة من الاضطراب في الاقتصاد العالمي.