June 16, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

الاقتصادي روي بدارو: سعر النفط قد ينخفض إلى 60 دولارا بعد الاتفاق

في تطور لافت يحمل انعكاسات اقتصادية وجيوسياسية واسعة، جاء الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ليعيد ترتيب المشهد الإقليمي ويفتح باب التساؤلات حول مستقبل أسواق الطاقة والاستقرار في المنطقة. الاتفاق، الذي يتضمن رفع العقوبات عن طهران، والإفراج الجزئي عن أموال مجمدة، إلى جانب تفاهمات أمنية تشمل وقف العمليات العسكرية في عدد من الساحات، وتفاهمات مرتبطة بالوجود الإسرائيلي في لبنان، يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي والاقتصادي. كما ينص على إنشاء صندوق تعويضات واسع النطاق وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة، بما قد ينعكس مباشرة على تدفقات النفط العالمية. وفي ظل هذه التحولات، تتجه الأنظار إلى تداعياته المحتملة على الاقتصاد العالمي، لا سيما على دول تعاني هشاشة بنيوية مثل لبنان.

وفي هذا السياق، أوضح الاقتصادي روي بدارو أن ما يطرح حاليا لا يمكن اعتباره اتفاقا نهائيا، بل هو أقرب إلى "بروتوكول تمهيدي" يهدف إلى الوصول لاحقا إلى اتفاق شامل، مشيرا إلى أن أي اتفاق فعلي سيكون مفصلا بدقة، بندا بندا، مع تحديد الأوقات والمسؤوليات بشكل واضح بين الأطراف.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن التصور المطروح يقوم على مجموعة من الخطوات المتبادلة، بحيث تحصل إيران على دفعات مالية تدريجية، قد تصل إلى 12 مليار دولار بشكل فوري، و12 مليار دولار إضافية خلال ستين يوما، متوقعا، في المقابل، رفع القيود عن تصدير النفط والمشتقات النفطية الإيرانية، إلى جانب فتح مضيق هرمز خلال فترة تقارب 30 يوما.


وأشار بدارو إلى أن هذا المسار قد يترافق مع التزامات تتعلق بوقف إنتاج السلاح النووي، مقابل إطلاق برامج لإعادة الإعمار من قبل الحلفاء قد تصل قيمتها إلى نحو 300 مليار دولار، إضافة إلى إنشاء آلية رقابة دولية بإشراف مجلس الأمن، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيدات في مسار التنفيذ، لافتا إلى أن توقيت أي تفاهم محتمل يلعب دورا محوريا في تفسيره، خصوصا في ظل استحقاقات انتخابية مهمة، من بينها الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني، حيث غالبا ما تؤثر الاعتبارات السياسية الداخلية على مسار القرارات الدولية.


وقال إن هذا التوقيت قد يصب في مصلحة إيران، نظرا لعدم ارتباط نظامها السياسي بمسألة التوريث السياسي والإداري بالشكل نفسه كما في الأنظمة الأخرى، معتبرا أنه على المدى القصير، يمكن لإيران أن تعود إلى تصدير ما يقارب 1.7 إلى 1.8 مليون برميل يوميا، مع إنتاج غاز قد يصل إلى نحو 1.1 مليار متر مكعب يوميا، ما يشكل زيادة ملحوظة في المعروض العالمي من الطاقة، ويساهم في تهدئة أسواق النفط.


وأوضح بدارو أن ذلك قد يؤدي إلى تراجع سعر النفط، في حال إبرام الاتفاق، إلى ما بين 60 و70 دولارا للبرميل في المرحلة الأولى، نتيجة زيادة العرض وتراجع التوتر الجيوسياسي، مشددا على أن هذا السيناريو من شأنه أن يخفف من معدلات التضخم العالمي ولو بنحو نصف نقطة مئوية أو أكثر قليلا، مع انعكاس مباشر على الدول الصناعية، خصوصا الولايات المتحدة والدول الأوروبية، حيث يعد سعر الوقود عاملا حساسا في تكاليف المعيشة والنقل.


وتابع أن الصورة لا تزال غير مكتملة، إذ تبقى مسألة كيفية تصرف إيران في المرحلة المقبلة أساسية، خصوصا وأنها تحتاج إلى استثمارات ضخمة قد تصل إلى 300 مليار دولار، متحدثا عن احتمال أن توجّه هذه الاستثمارات عبر شراكات أو من خلال استخدام أموال مجمدة في عدد من الدول، وليس فقط في الولايات المتحدة، بل أيضا في كوريا الجنوبية والإمارات وغيرها.


وأشار بدارو إلى أن هذا الملف يشكل اختبارا كبيرا يمكن من خلاله فهم توجه إيران المستقبلي، وما إذا كانت ستبقى ضمن النظام العالمي الجديد وآليات الرقابة الدولية، خصوصا في ما يتعلق بملفات تمويل بعض الأنشطة أو دعم حركات مسلحة تدعمها في المنطقة، مثل حزب الله والحوثيين والحشد الشعبي في العراق وغيرهم.


ورأى أن هذه القضايا لن تحسم خلال فترة الستين يوما الأولى، بل من المتوقع أن تظهر لاحقا، ما قد يعقد مسار تطبيق الاتفاق الذي يلي البروتوكول التمهيدي القائم حاليا، معتبرا أن أي انفراج محتمل سيكون انفراجا هشا (fragile)، سريع التأثر بالتطورات السياسية والأمنية. وأشار إلى أن هذا الانفتاح قد يخفف الضغوط الاقتصادية عالميا على المدى القصير، ربما لشهرين أو ثلاثة فقط، لكنه لا يبدو قادرا على تحقيق استقرار اقتصادي أو سلام مستدام على المدى الأبعد، ما يعني استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.


أما في ما يتعلق بلبنان، فشدد بدارو على أن التأثير يبقى غير مباشر لكنه مهم، نظرا لاعتماد الاقتصاد اللبناني الكامل على استيراد المحروقات. فأي انخفاض في أسعار النفط عالميا ينعكس تراجعا في كلفة المحروقات، وانخفاضا في كلفة إنتاج الكهرباء، وتخفيفا نسبيا للضغوط التضخمية، لكن هذه الانعكاسات تبقى محدودة ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية داخلية، في ظل الأزمة البنيوية العميقة التي يعاني منها البلد.


في المحصلة، فإن أي اتفاق أو حتى بروتوكول تمهيدي بين واشنطن وطهران ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، خصوصا عبر سوق الطاقة، مع تأثير مباشر على أسعار النفط والتوازنات الجيوسياسية، بينما يبقى لبنان من الدول التي تتأثر بشكل غير مباشر وتستفيد جزئيا فقط من أي تراجع في أسعار الطاقة من دون أن ينعكس ذلك تلقائيا على أزماته الداخلية.