يثير التهديد الذي أطلقه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، مدعومًا بمواقف الحرس الثوري الإيراني، حول احتمال إغلاق مضيق هرمز مخاوف اقتصادية واسعة على المستوى العالمي.
فالمضيق يُعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، ما يجعل أي تهديد بإغلاقه عاملًا قادرًا على إحداث اضطرابات حادة في أسواق الطاقة وارتفاعًا كبيرًا في الأسعار.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، ومن بينها لبنان الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المحروقات والسلع الأساسية، ما يجعله أكثر عرضة لموجات تضخم وارتفاع في كلفة المعيشة في حال تصاعد التوترات في المنطقة.
وفي هذا السياق، قال الصحافي الاقتصادي منير يونس إن مضيق هرمز يُعد أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، نظرًا إلى الدور الحيوي الذي يؤديه في حركة الطاقة العالمية.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن نحو 20% من حاجة العالم إلى النفط تمر عبر هذا المضيق، أي ما يوازي بين 17 و20 مليون برميل يوميًا، وهي كميات أساسية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في تشغيل قطاعات النقل والصناعة وإنتاج الطاقة.
وأشار يونس إلى أن المضيق لم يُغلق حتى الآن بشكل كامل، إلا أن التوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة أدت إلى تراجع حركة الملاحة فيه وإلى زيادة المخاوف في الأسواق العالمية. ونتيجة هذه التطورات، ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، إذ تجاوزت نسبة الارتفاع 45% نتيجة القلق من احتمال تعطل الإمدادات النفطية في حال تفاقمت الأزمة.
وأضاف أن إقفال مضيق هرمز بشكل كامل، في ظل تصاعد التوترات بين إيران وعدد من دول الخليج، قد يؤدي إلى قفزة كبيرة في أسعار النفط. ووفق تقديرات المؤسسات الدولية، يمكن أن يصل سعر برميل النفط إلى ما بين 150 و200 دولار، وهو ما سيشكل صدمة قوية للاقتصاد العالمي، نظرًا إلى انعكاساته المباشرة على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأوضح يونس أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي عادة إلى ارتفاع كلفة النقل والشحن وإنتاج الكهرباء، كما يرفع كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي. وهذه الزيادات تنعكس بدورها على أسعار السلع والمواد الغذائية في مختلف أنحاء العالم، ما يؤدي إلى موجة تضخم عالمية قد تكون واسعة النطاق إذا استمرت الاضطرابات في المنطقة أو تصاعدت.
كما لفت إلى أن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي في العالم تمر أيضًا عبر مضيق هرمز، وتُعد قطر من أبرز الدول المصدرة للغاز عبر هذا الممر البحري. وأي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق سيؤثر في إمدادات الغاز إلى العديد من الدول، ولا سيما الدول الأوروبية التي تعتمد على هذا الغاز في تشغيل الصناعات وإنتاج الكهرباء.
وأكد يونس أن أوروبا بدأت بالفعل تشهد ضغوطًا إضافية في أسواق الطاقة، خصوصًا بعد الأزمة التي سببتها الحرب في أوكرانيا وتراجع إمدادات الغاز الروسي إلى القارة الأوروبية، ما يجعل أي اضطراب جديد في إمدادات الطاقة من الخليج عاملًا إضافيًا يزيد من التحديات الاقتصادية العالمية.
وفي ما يتعلق بلبنان، أوضح يونس أن التأثيرات ستكون مباشرة وقوية، نظرًا إلى طبيعة الاقتصاد اللبناني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. وأشار إلى أن لبنان يستورد كامل احتياجاته تقريبًا من النفط والغاز، كما يستورد نحو 85% من إجمالي استهلاكه من السلع، ما يجعله شديد التأثر بأي ارتفاع في أسعار الطاقة عالميًا.
وقال إن موجة التضخم بدأت بالفعل تؤثر في السوق اللبنانية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أساسًا من معدلات تضخم مرتفعة تراوح بين 15 و16% سنويًا. ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا، يتوقع أن ترتفع الأسعار في لبنان بشكل إضافي، ما سيؤدي إلى ضغوط كبيرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأضاف أن أحد أبرز مظاهر هذا التأثير سيكون في قطاع الكهرباء، إذ يعتمد جزء كبير من إنتاج الكهرباء في لبنان على المولدات الخاصة التي تعمل على المازوت.
ومع الارتفاع الكبير في أسعار المازوت خلال الأسابيع الأخيرة، فمن المرجح أن ترتفع كلفة الكهرباء على المواطنين بشكل ملحوظ، ما سيزيد الأعباء المعيشية على الأسر اللبنانية.
وأشار يونس إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة سينعكس أيضًا على كلفة النقل وأسعار السلع الغذائية والمنتجات الأساسية، لأن معظم السلع في لبنان مستوردة أو تعتمد في إنتاجها ونقلها على الطاقة. وهذا الأمر سيؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية.
وختم يونس بالتأكيد أن هذه التطورات قد تضرب بشكل خاص الطبقات المتوسطة والفقيرة في لبنان، التي تعاني أساسًا من تراجع القدرة الشرائية ومن تداعيات الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات، ما يجعل أي موجة تضخم جديدة أكثر صعوبة على المجتمع اللبناني.